كبرنا و اكتشفنا أن الحياة ليست كما رسمناها في دفاتر الطفولة

كبرنا و اكتشفنا أن الحياة ليست كما رسمناها في دفاتر الطفولة

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

بوشعيب هارة 

كبرنا و مازال القريب يبكينا، و ما زال هنالك من يجرح فينا، كبرنا و مازال الحظ يخوننا، و مازال الظلم يدق بابنا،كبرنا و أصبحنا نأمن بالوحدة و الصمت و الهدوء، ليتنا لم نكبر و ليتنا بقينا صغارا، أقل شيء يسعدنا،و أخف شيء يبكينا، ليتنا لم نتعلم ما هو الألم، ليتنا لم نتعلم الحب و لا الفراق و لا البعد، ليتنا بقينا متعلقين بلعبنا الصغيرة، بدلا من تعلقنا بأناس تبكينا، ليتنا بقينا صغارا نكره النوم لأننا نحب اللعب أكثر، ليتنا لم نكبر.

كبرنا و اكتشفنا أن الحياة ليست كما رسمناها في دفاتر الطفولة، ليست كلها ضحك،و لا كل الأحلام تتحقق، لكننا تعلمنا أن النضج لا يعني القسوة، بل أن نبتسم رغم التعب، أن نسامح رغم الألم، أن نحب دون شروط، و نرحل دون ضجيج، كبرنا فأصبحنا نختار الصمت بدل الجدال، و السلام بدل الإنتصار، و أدركنا أن أجمل إنتصار هو أن تبقى نقيا في عالم لا يجيد النقاء.

كبرنا دون أن ننتبه، لم يسمح لنا بأن نكبر على مهل، حين ننظر إلى الصور نتذكر الأوقات التي قضيناها منذ سنوات، كيف نشأنا بسرعة و واجهنا تحديات الحياة دون أن ندري، كبرنا لأن الأيام كانت أقوى من أحلامنا، و لأن المسؤوليات جاءت قبل أن نتعلم كيف نحتمي بأنفسنا، سرق منا الوقت ضحكات كثيرة، و أجبرنا على وداع أشياء كنا نظنها أبدية، صرنا نحمل في قلوبنا تعبأ لا يرى، و ذكريات نحاول ترتيبها كلما اختنق الحنين، كبرنا حين تعلمنا الصمت بدل البكاء، و التحمل بدل الشكوى، حين صارت أنا بخير جملة نحفظها عن ظهر قلب، حتى في أكثر لحظاتنا هشاشة، تغيرت ملامحنا ،لا لأننا أردنا ذلك بل لأن الحياة مرت من هنا، و تركت آثارها على وجوهنا و أرواحنا، كبرنا لكن شيئا في داخلنا ما زال ذلك الطفل الذي كان يحلم ببساطة، و يضحك من قلبه، و ينتظر الغذ بعيون مليئة بالدهشة، ربما كبرنا سريعا، نعم لكننا مازلنا نتعلم كيف نعيش، و كيف نغفر، و كيف نمسك بأيدينا المتعبة و  نقول لها لا بأس، ما زال في الطريق متسع للأمل.

فكلما كبرنا في العمر عاما تزداد قساوة الحياة أعواما، كبرنا و لا زلنا نحمل في أيدينا حقائب الأمنيات التي تسرقنا دون أن نشعر، تمد يدها في حقيبة عمرنا و تسرق من أيامنا الكثير، كبرنا و لم تسعفنا الأقدار لشراء بعضا من الحظ، ليساندنا كعكاز فرح، قيدتنا الظروف الصعبة و بقينا في أماكننا نعد الأحلام حتى فاتنا قطار الحياة، كبرنا بالعمر حتى سبقتنا تواريخ الميلاد، و بات الزمن يطفئ شموع ما ادخرناه من ذكريات، كبرنا حتى قفز بنا العمر عاليا و هبطنا دون مظلة على سطح واقع مرير، قاتل للعفوية و التلقائية، و عاشق للنفاق و التصنع بامتياز.