
60 دقيقة تربك أمة… قصة توقيت أشعل نقاشا لا يخمد
عبدالله خباز-
في كل مرة يطرح فيها موضوع الساعة الإضافية في المغرب، لا يعود النقاش مجرد اختلاف تقني حول التوقيت، بل يتحول إلى جدل مجتمعي واسع يكشف عن شيء أعمق بكثير: علاقة المواطن بالقرار العمومي، و حدود الثقة في السياسات التي تمس تفاصيل حياته اليومية.
منذ اعتماد التوقيت الصيفي بشكل دائم، أصبح المغاربة يعيشون على إيقاع نقاش متكرر، يتجدد مع كل موسم دراسي أو تغيير ظرفي في الساعة. بين من يرى في القرار ضرورة اقتصادية تفرضها التحولات العالمية، و من يعتبره عبئا يوميا يرهق الأسر و التلاميذ و العمال، تتسع فجوة الفهم، و يغيب في كثير من الأحيان جسر التواصل المقنع.
المؤيدون للساعة الإضافية يستندون إلى حجج تبدو منطقية في ظاهرها: ترشيد استهلاك الطاقة، تعزيز التوافق مع الشركاء الإقتصاديين الدوليين، و تحسين الإنتاجية. و هي مبررات سبق أن قدمتها الجهات الرسمية، و تجد صداها في عدد من التجارب الدولية. لكن الإشكال لا يكمن فقط في “ماذا نربح؟”، بل في “من يدفع الثمن؟ و كيف؟”.
على الجانب الآخر، لا يتحدث المعارضون بلغة الأرقام بقدر ما يعبرون عن معاناة ملموسة: أطفال يغادرون منازلهم في ظلام دامس، أسر تعيد ترتيب يومها قسرا، و إحساس عام بعدم الإرتياح البيولوجي و النفسي. هذه ليست مجرد انطباعات عابرة، بل واقع يومي يعيشه جزء كبير من المجتمع، و يستحق أن يؤخذ بجدية.
غير أن أخطر ما في هذا الجدل ليس الإختلاف في حد ذاته، بل طريقة تدبيره. فحين يشعر المواطن أن قرارات تؤثر على حياته تتخذ دون إشراك فعلي أو نقاش عمومي واسع، يتحول النقاش من موضوع تقني إلى قضية ثقة. و هنا يكمن التحدي الحقيقي.
الزمن، في نهاية المطاف، ليس مجرد أرقام على الساعة، بل هو جزء من الإيقاع الإجتماعي و الاقتصادي و النفسي للمجتمع. و أي تغيير فيه، مهما بدا بسيطا، يحتاج إلى أكثر من تبرير تقني؛ يحتاج إلى وضوح، تواصل فعال، و استعداد للاستماع.
لا أحد ينكر أن الدولة تواجه إكراهات اقتصادية معقدة، و أن القرارات العمومية غالبا ما تبنى على توازنات دقيقة. لكن في المقابل، لا يمكن إغفال أن نجاح أي سياسة عمومية يظل رهينا بمدى قبولها المجتمعي، و هو قبول لا يفرض، بل يبنى.
بين الساعة الرسمية و ساعة المواطن، يبدو أن الفارق ليس ستين دقيقة فقط، بل مسافة من التساؤلات التي ما تزال تبحث عن إجابات مقنعة. و ربما آن الأوان لإعادة فتح النقاش بهدوء و مسؤولية، بعيدا عن التشنج، و بقناعة أن الزمن، حين يدار بشكل تشاركي، يمكن أن يكون عامل توحيد لا سببا للإنقسام.
