
الوقاحة بين الفعل وردة الفعل: حين يُقلب ميزان المسؤولية
يونس علالي
في العلاقات الإنسانية، كثيراً ما تتجلى مواقف تكشف عن اختلال في ميزان المسؤولية بين الأفراد. العبارة الشهيرة: “الوقاحة هي أن تنسى فعلك وتحاسبني على ردة فعلي” تختصر ببلاغة واحدة من أكثر الإشكاليات الاجتماعية والنفسية شيوعا؛ وهي محاولة البعض التنصل من أفعالهم وتحويل اللوم إلى الطرف الآخر الذي لم يفعل سوى الرد.
الوقاحة لا تكمن في الرد القاسي أو الغاضب، بل في تجاهل السبب الذي أدى إلى هذا الرد. حين يتجاهل شخص ما فعله المسيء، ويُركز فقط على ردة فعل الآخر، فإنه يمارس نوعاً من التلاعب النفسي، حيث يُحوّل المعتدي إلى ضحية، والضحية إلى معتدٍ.
في المجتمع، هذا السلوك يخلق توتراً دائماً، إذ يُشعر الأفراد بأنهم محاصرون بين خيارين: إما الصمت على الإساءة، أو مواجهة لوم مضاعف إذا تجرؤوا على الرد. وهنا يظهر الخلل في ثقافة المحاسبة، حيث يُعاقب رد الفعل أكثر من الفعل نفسه.
من الناحية النفسية، هذا السلوك يُعرف بـ”الإسقاط”، حيث يُسقط الفرد مسؤولية أفعاله على الآخرين. وهو سلوك دفاعي يهدف إلى حماية صورة الذات، لكنه في الواقع يضعف الثقة ويهدم العلاقات.
الوقاحة ليست مجرد كلمة، بل هي سلوك متجذر في ثقافة التهرب من المسؤولية. العدالة الاجتماعية والإنسانية تقتضي أن يُحاسب الفعل أولاً، قبل أن يُحاسب رد الفعل. فالمعادلة البسيطة تقول: لا رد فعل بلا فعل، ومن يتجاهل هذه الحقيقة يمارس أبشع صور الوقاحة.
