
الفيلسوف المهمش ..إعادة قراءة الحمار : رمز الحكمة المغمورة.
يونس علالي-
في عالم الحيوان، يظل الحمار أكثر الكائنات تعرضاً للظلم والإهمال رغم كثرة ما يقدمه للإنسان من خدمات شاقة ومتنوعة. فهو رفيق الفلاح في الحقول، يجر المحراث ويشارك في نقل المحاصيل، ويُستعمل في معاصر الزيتون، ويُسخّر في حمل الأثقال والتنقل بين القرى والمزارع. ومع ذلك، لا يحظى بالاهتمام الذي تناله الخيول أو حتى الأبقار، إذ يُترك في العراء تحت المطر وحرارة الشمس، ويُقدَّم له بقايا الطعام بدل العلف الجيد.
الأدب الشعبي والروايات لم تُنصف الحمار، بل رسخت صورة سلبية عنه باعتباره رمزاً للغباء، حتى صار يُضرب به المثل في ذلك. هذه الصورة النمطية حجبت حقيقة أخرى أكثر عمقاً: الحمار ليس غبياً، بل هو كائن صبور، يتحمل المشاق بصمت، ويُظهر ذكاء عملي في التعامل مع الظروف القاسية. كثير من الباحثين في سلوك الحيوان يؤكدون أن الحمار يتسم بالحذر والقدرة على اتخاذ قرارات تحفظ حياته، وهو ما يفسر خطأً بالعناد أو البلادة.
الحمار في الحقيقة أقرب إلى الفيلسوف الصامت؛ يتظاهر بالغباء ليجنب نفسه الصدام مع الإنسان، ويكتفي بأداء دوره دون ضجيج. هذا “الادعاء بالغباء” ليس إلا وسيلة للبقاء، بينما هو في جوهره رمز للحكمة العملية والقدرة على التكيف. إن صمته الطويل أمام قسوة المعاملة يعكس فلسفة وجودية عميقة: أن القوة ليست دائماً في الصخب، بل في الصبر والاحتمال.
آن الأوان لإعادة النظر في مكانة هذا الحيوان الذي رافق الإنسان عبر التاريخ. فالحمار يستحق الاحترام والعناية، لا السخرية والإهمال. الاهتمام به ليس مجرد واجب أخلاقي تجاه كائن حي، بل هو أيضاً اعتراف بفضلٍ كبير قدمه للبشرية في الزراعة والتنقل والعمل اليومي. ربما لو أنصفناه، لاكتشفنا أن وراء صبره الطويل حكمة تستحق الإصغاء.
