
رحيل رمضان.. أثرٌ يبقى ونورٌ لا ينطفئ
بوشعيب هارة
ها قد رحل رمضان كما رحل غيره، بالأمس القريب كنا نستبشر قدومه باللهفة والشوق ونترقب هلاله بكل شغف وحب، استقبلناه بالتبريكات والاستعداد للطاعة والعبادة، واليوم ودعناه بكل حزن، و رحل مسرعاً كريح مرسلة.
رحل رمضان شهر القرآن، شهر الصيام والقيام، شهر الرحمات والبركات، شهر الجود والإحسان، ورحلت أيامه ولياليه الجميلة المليئة بالخيرات والذكريات، رحل بعد أن دربنا وذكرنا وغرس فينا كل صفات الخير، رحل بعد أن كتب لنا في سجل الذكريات كل خير قمنا به، وكل طاعة تعودنا عليها، وكل مسار للخير مشينا في ركابه وتحت ظلاله، فبأي حال نودعك يا رمضان؟ بأي حال نودعك ونفوسنا تبكي لفراقك، وحال الأمة لا يسر قريباً ولا بعيداً؟ بأي حال نودعك ونفوسنا المقصرة بذلت فيه كل عمل زهيد تسأل الله تعالى أن يتقبله منها.
رحل رمضان بجسده، لكن روحه يجب أن تظل تسكن تفاصيل أيامنا، التحدي الحقيقي هو أن نحافظ على تلك الدمعة الصادقة، وذلك القلب اللين، لنثبت أننا حقاً ممن “تعلّموا فيه كيف يعودون إلى الله” في كل وقت وحين.
يغادرنا رمضان في كل عام تاركاً وراءه غصة في القلوب، ليس لأنه مجرد شهر للصيام، بل لأنه كان “ضيفاً خفيف الظل”، طرقت نسماته أبواب أرواحنا المتعبة، فربت عليها بحنوّ، وأعاد ترتيب أولوياتنا قبل أن يمضي في هدوء.
رمضان ليس مجرد شهر في التقويم، بل هو موسم استثنائي من العبادة والتواصل الأسري والمجتمعي، إذ أودع الله فيه من الخصوصية والروحانية ما يجعل القلوب متعلقة به، ويجعل فراقه أشبه بفراق الحبيب.
البعض يرى أن رمضان في الماضي كان مختلفاً، وكنا نشعر بأيامه ولياليه، بينما الآن يبدو وكأنه يمر بسرعة خاطفة، لكن الحقيقة أن رمضان هو هو، بعدد أيامه وخصائصه، غير أن إيقاع الحياة المتسارع وكثرة المشاغل الدنيوية جعلت الأيام تمضي دون أن نشعر بها.
لو تأملنا في بعض الأمثلة، سنجد أن الوقت في انتظار موعد طبي يبدو طويلاً، بينما يمضي سريعاً عند الانشغال بشيء، الأمر ذاته ينطبق على رمضان، فحين تكثر الملهيات والانشغالات الدنيوية، نشعر وكأنه عبر دون أن نعيشه كما ينبغي، أما من يتفرغ للعبادة ويبتعد عن الملهيات، فيجد في أيامه بركة وامتداداً روحياً،
وهنا يكمن السر، فالبركة في الوقت نعمة لا يمنحها الله إلا لمن أخلص في صلته به، فمن عمّر علاقته مع الله، وجد في وقته بركة تمتد، أما من غفل وانشغل، فلن يجني سوى سرعة الأيام وفراغها.
ما بال شهر الصوم يمضي مسرعاً وشهور باقي العام كم تتمهل، عشنا انتظارك في الشهور بلوعة فنزلت فينا زائراً يتعجل، سوف نحزن على روحانية التراويح، ونقاء النفوس، ومائدة الإفطار، وحديث السمر، يا الله ما أسرع رمضان، فبعد أن اعتادت الروح على القرب من خالقها، وتذوقت طعم السكينة في ليالٍ امتلأت بالدعاء والدموع الصادقة، تجد نفسها فجأة في مواجهة ضجيج الحياة مرة أخرى، هذا الفراغ ليس نقصاً، بل هو دليل على حياة القلب الذي ذاق حلاوة الإيمان فاستوحش من البعد.
رحل رمضان ولم يرحل القيام والتلذذ به في جوف الليل، رحل رمضان ولم يرحل الدعاء والمناجاة ومجالسة الصالحين واستغلال مواطن الأجر والثوبة، رحل رمضان ولم يرحل الصيام الذي شرعه لنا المولى تعالى في عدة مناسبات فيها أكبر الأجور، حافظ على كل عمل اعتدت القيام به في شهر الخير، حافظ على كل فعل خير قمت به، ولا تكن كمن فعل الخير ثم تركه كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، لتكن صفحاتك بعد رمضان صفحات ناصعة البياض، تبدأ فيها من جديد بحياة أجمل وأحلى بقربك من الله تعالى، وبمحافظتك على جلائل الأعمال، فلا تفتر فورتك أبداً ويكون مآلها إلى «المعاصي والذنوب» والكسل من جديد، بل لتكن فورتك فورة دائمة مآلها إلى الطاعة الدائمة الصادقة، وإلى عمل صالح مستمر، تقتنص من خلاله كل خير يقربك إلى الله تعالى، وتستعد «الاستعداد الدائم المستمر» لساعة الرحيل الحقيقية من الدنيا، لأننا سنرحل كما رحل رمضان، فطوبى لمن أحسن صناعة رحيله الجميلة من الدنيا، بعمل صالح مستمر، اللهم تقبل منا رمضان، واجعله شاهداً لنا لا شاهداً علينا، واجعلنا ممن أعتقت رقابهم فيه من النار، وأعده علينا أعواماً عديدة وأزمنة مديدة.
رحل رمضان فهل سيعود الغبار على المصاحف؟ هل ستبكي المساجد على فراق المصلين؟ هل ستعود حياتنا كما كانت؟ أم أنّ رمضان كان سبباً في التغيير، الحمدلله على التمام، الحمدلله على عظيم المنِّ والإنعام، اللهم أعده علينا ونحن في أحسن حال.
بالأمس استقبلنا رمضان واليوم ودعناه، الأيام تمضي بسرعة، نسأل الله الرحمة والمغفرة والعتق من النار، بالأمس كنا نقول أهلاً رمضان والآن نقول مهلاً رمضان، ما أسرع خطاك! تأتي على شوق وتمضي على عجل، اللهم تقبل صيامنا.
نحن نعلم أنّك ستعود يا رمضان في كل عام وفي نفس الموعد، لكن ما لا نعرفه هل سنكون في استقبالك؟ نحن لا نتألم لرحيل رمضان؛ لأنّه سيعود، ولكن نتألم إن عاد بعد رحيلنا.
