حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

 

عبد الله خباز
في الوقت الذي يعيش فيه العالم تحولات كبرى في مجال تدبير الموارد المائية، ما زالت ساكنة العديد من القرى المغربية تصارع يوميا من أجل جرعة ماء صالحة للشرب.
مشهد يتكرر في مختلف جهات المملكة، و خاصة في القرى النائية، حيث تسير نساء و أطفال لمسافات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، و هم يحملون الدلاء، فقط من أجل ملء قنينات بلاستيكية من عيون ضعيفة أو آبار ملوثة، و منهم من ينتظر قدوم شاحنة صهريجية أو جرار يحمل ماء إليهم، قد يكون هو الآخر غير صالح للشرب، و كأننا أمام واقع خارج الزمن.
الماء، هذا الحق الطبيعي و المكفول دستوريا، أصبح في بعض المناطق حلما بعيد المنال، رغم ما تحقق وطنيا من مشاريع مهيكلة تهدف إلى ضمان الأمن المائي للمملكة، غير أن هذه الجهود، للأسف، لا تصل إلى عدد مهم من الدواوير و المداشر التي ما تزال على هامش التنمية، تنتظر من ينتشلها من العطش و المعاناة.
و رغم تعدد النداءات و صرخات الاستغاثة التي تطلقها الساكنة، إلا أن الآذان غالبا ما تبقى صماء، ءلك أن التقاعس عن إيجاد حلول جذرية، و التدبير الضعيف للمجالس المنتخبة، و البيروقراطية الإدارية، كلها عوامل ساهمت في استمرار هذه الأزمة الإنسانية، التي لا تليق بصورة مغرب اليوم، مغرب المشاريع الكبرى و الإنجازات التنموية التي أشاد بها العالم.
و ليس خافيا على أحد أن جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لم يتوقف يوما عن الدعوة إلى العناية بالعالم القروي، و توفير شروط العيش الكريم لمواطنيه، إذ في العديد من خطبه السامية، دعا إلى “تحقيق العدالة المجالية و الاجتماعية، و ضمان ولوج جميع المغاربة إلى الماء و الكهرباء و التعليم و الصحة و الخدمات الأساسية”، مؤكدا أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا بوصول ثمارها إلى القرى و المناطق النائية.
و السؤال المطروح: أين نحن من هذه التوجيهات السامية؟ و لماذا لا تترجم إلى سياسات عملية، تنهي هذا الوضع غير المقبول؟
إن استمرار العطش في القرى المغربية لا يمثل فقط فشلا في التدبير المحلي، بل هو أيضا إخلال بروح المسؤولية التي يجب أن يتحلى بها المنتخبون و المجالس المعنية، ءلك أن التنمية ليست شعارات ترفع في الحملات الانتخابية، بل هي التزام أخلاقي و وطني تجاه المواطن، الذي وضع ثقته في ممثليه.
إن أزمة الماء في العالم القروي ليست قدرا محتوما، بل هي نتيجة غياب الإرادة الحقيقية و التخطيط الاستباقي، فالمغرب بلد غني بتنوعه الجغرافي و الموارد الطبيعية، لكن سوء التوزيع و ضعف الصيانة و التأخر في إنجاز مشاريع الربط المائي، تجعل القرى تدفع الثمن الأكبر.
لقد آن الأوان لأن تتحرك الجهات المعنية بجدية، في إطار رؤية وطنية منسقة، تعيد الاعتبار للإنسان القروي، و تضع الماء في صلب الأولويات، فالماء ليس رفاهية، بل هو حياة، و كما قال جلالة الملك في أحد خطبه : “لا يمكن الحديث عن التنمية البشرية و لا عن العدالة الاجتماعية في غياب الماء ، فهو أساس كل تنمية و أصل كل حياة”.
فهل من مجيب لهذه النداءات، أم سيبقى العطش يروي قصة الإهمال و اللامبالاة في القرى المغربية؟
و بين الوعود و الواقع، يبقى صوت الساكنة الصامت أقوى من كل الشعارات.
ختاما، إن معالجة أزمة الماء في القرى المغربية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تتقاطع فيها الأدوار، بين الدولة و الجماعات الترابية و المجتمع المدني، و يبقى الماء خلالها حقا أساسيا لا يمكن التهاون فيه، و ضمانه لكل المواطنين هو رهان تنموي و إنساني في آن واحد.
و إذا كان جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، قد جعل من العدالة المجالية إحدى ركائز المشروع التنموي الجديد، فإن الواجب اليوم يحتم على الجميع أن يترجم هذه التوجيهات إلى أفعال ملموسة، تعيد الثقة و الأمل لساكنة العالم القروي.
و المغرب الذي نريده، هو مغرب الإنصاف و التوازن ، حيث لا يبقى عطش القرى مجرد خبر يتداول، بل قضية وطن تعالج بإرادة صادقة، و عمل ميداني مسؤول.