حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

عبد الحي عبد الوهاب –

إذا كان فكر الأنوار لا يزال يمثل الأرضية النظرية والقيمية العميقة للفكر الغربي الحديث، إلا أنه تعرض في أسسه ومنطلقاته لمراجعة نقدية صارمة تشكل اليوم الرهان المحوري في الدراسات الفلسفية والإجتماعية الغربية وقد اتخذت هذه المقاربة النقدية مسلكين:
أحدهما في اتجاه ترميم مشروع الحداثة والتنوير من منطلقاتها ومفاهيم جديدة في حين سار الآخر في اتجاه هدم وتقويض المشروع ذاته ويمثل المسلك الأول امتداد للنقد الداخلي للحداثة الذي بدأه هيجل وتعتبر مدرسة فرانكفورت الألمانية نموذجه الأبرز، وأهم الرموز الأولى لهذه المدرسة هما الفيلسوفان المعروفان هوركهايمر وتيودور أدورنو اللذان أصدر عام 1974م كتابا أساسيا بعنوان  “جدلية العقل ” يعبر عن توجه هذا التيار النقدي المتأثر بالمفاهيم الماركسية، بيد أن أهم ممثل اليوم للمدرسة في نسختها الجديدة هو المفكر الألماني ذائع الصيت وغزير الإنتاج يوغرن هابرماس (1929م)، الذي بقدر ما ينتقد العقلانية الحديثة القائمة على الشطط في الذاتية، ويرفض التصورات الوضعية للحقيقة العلمية وبين أن التقنية تحولت إلى أيديولوجيا قمعية كما ينتقد الطبيعة الإستبدادية للدولة الليبرالية التي تخفي قساوتها خلف قناع الحرية والقانون إلا أنه يرفض فلسفات ما بعد الحداثة التي يرى فيها نزاعات مدمرة خطرة تؤدي إلى العدمية والضياع ساعيا إلى تجديد مشروع الحداثة والتنوير من منطلق فلسفته في التواصل التي تقوم على سير الإمكانات التي توفرها اللغة في بناء عقلانية حوار وتعايش بين بني البشر.
أما المسلك الثاني فيستند إلى فكر الفيلسوف الألماني آخر وهو نيتشه (1844م – 1900م)، الذي يحمل مشروعه في قلب التقليد الفلسفي وتقويض الميتافيزيقا وهدم كل الأسس التي قامت عليها الفلسفة الغربية منذ أفلاطون حتى هيجل، وهو مبدأ تطابق العقل والوجود أي ما عبرت عنه مقولة هيجل الشهيرة ^ إن ما هو عقلي واقعي وما هو واقعي عقلي^، ومن هنا يذهب نيتشه إلى القول [ إن أكبر خرافة تم إنشاؤها هي المعرفة ]. بمعنى فليست أفكارنا سوى ظلال مشاعرنا وهي دوما أكثر غموضا وفراغا وبساطة منها، أما مهمة الفلسفة فقد تحولت لدى نيتشه من بناء الأفكار واستنكاه الوجود عقليا إلى مبحث تشخيص نقدي للمفاهيم والقيم أطلق عليها عبارة { جينالوجيا} التي تعني حرفيا البحث عن الأصل والفصل، وتدل فلسفة نيتشه حسب عباراته على نقد القيم الأخلاقية ووضعها موضع سؤال. ويجدد نيتشه مهام منهج الجينالوجي الذي يطلق عليها أيضا فلسفة المطرقة أي فلسفة الهدم في:
– رفض الأفكار القبلية، وضبط العلاقة بين التفكير وشروطه الخارجية ( الموقف من الحياة).
– رفض التفكير المنطقي باعتباره غطاء لروابط القوة.
– ثم أخيرا فهم إرادة المعرفة على أنها إرادة قوة.
وعلى الرغم من أن الفيلسوف الألماني الكبير مارتن هايدغر ينكر انتسابه إلى التقليد النيتشوي إلا أنه من البين أن مشروعه الفلسفي يلتقي مع نيتشه في الهدف الأساس الذي هو هدم الميتافيزيقا ونقد التقليد الفلسفي الحديث والخروج من مرجعية الأنوار. فالبنسبة إليه لم تنجح الميتافيزيقا منذ أفلاطون حتى هيجل في تعقل الوجود وفهمه، بل إنها تناسته ولم تطرح سؤاله الحقيقي، وتضاعف هذا النسيان في العصور الحديثة نتيجة لطغيان مفهوم الذاتية الذي يكرس التصور الإجرائي الأدائي للعق، ( أي الفكر من حيث هو أداة ). في حين تحولت العلاقة بالطبيعة إلى علاقة تعنيف وسيطرة وامتلاك. وغدا الوجود مختزلا في المدى القابل للقياس والترويض أي أصبح مجرد مخزن للطاقة، ومن ثم يذهب هايدغر إلى القول ” أن الفكر الحديث لا يفكر”، بل إنه يقضي على العلاقة الحميمة بالوجود ويحول دون إمكانات معاشرته الروحية، وليست العقلانية الحديثة بالنسبة إليه سوى تعبير عن الروح التقنية التي هي في عمقها رؤية اختزالية تقزيمية للوجود.
ومن الواضح أن فكر ما بعد الحداثة قد اتجه في الغالب أحد الإتجاهين النتشوي المركز على ضبط علاقة المعرفة بالسلطة بالإنطلاق من نهج تأويلي تاريخي لغوي، وهايدغري في حوار نقدي متواصل مع تاريخ الفلسفة من منظور فكر الإختلاف في مقابل المقاييس العقلانية والإنسانية الحديثة. ومن أبرز ممثل الإتجاه النتشوي في الفكر الأوربي المعاصر هو الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو ( 1926م _ 1984م)، الذي يتمحور مشروعه حول رصد العلاقة الوثيقة بين إرادة الحقيقة وإرادة السلطة. من خلال التحليل التاريخي للنصوص والممارسات فالفلسفة بالنسبة إليه هي استراتيجية وليست كشفا عن الحقائق والوقائع إنها تتمثل في إخضاع الأفكار والممارسات إلى صياغة الإشكالية الدائمة، ما يوضحه قوله” أرى أن العمل الذي يجب القيام به هو عمل الأشكلة دوما…، إن هذا المنهج هو الذي سمح له برصد المركب المعرفي السلطوي للحداثة في الخطابات والممارسات العقوبية والسلطوية ونظام الرغبات. وإلى التقليد النتشوي ينتمي أيظا المفكر الفرنسي جيل دولوز (1925م_ 1995م)، الذي كتب كتابين مهمين حول نيتشه وطبق منهجه
في قراءاته لتاريخ الفلسفة وفي مقاربته النقدية لعلاقة السلطة بالحقيقة والرغبة. أما التقليد الهيدغري فيمثله اليوم المفكر الفرنسي المشهور جاك دريدا (1930م)، الذي يعتبر الرمز الأساس لفكر الإختلاف، ويذهب في أعماله الغزيرة إلى نقد ما يدعوه بمركزية ” اللوغوس”، أي أولوية النطق على الكتابة والإعتقاد بأن الصوت يتوسط بين العقل الإنساني والواقع المتعالي، وتلك هي المصادرة التي تقوم عليها الميتافيزيقا، ويسعى دريدا إلى تقويضها من خلال منهجه الذي يطلق عليه عبارة ” التفكيك ” ولمنهج التفكيك اليوم تأثير واسع في الأداب والعلوم الإنسانية ويتمثل في هدم أحادية المعنى والقول بتعدد إمكانات القراءة، وإن النص لا يحيل إلى دلالة واحدة، بل هو حمال أوجه وليس مرجعية في ذاته بل يتداخل مع غيره من النصوص بحيث يتسنى القول إن لا مؤلف له.

ختاما يمكن القول أن:  قامت أفكار ما بعد الحداثة في الفلسفة، وتحليل الثقافة والمجتمع بتوسيع أهمية النظرية النقدية، وكانت نقطة الانطلاق لأعمال في الأدب والعمارة، والتصميم، فضلا عن كونها واضحةً في عالم التسويق والأعمال وتفسير التاريخ والقانون والثقافة، وذلك ابتداءً من أواخر القرن العشرين. هذه التطورات—إعادة تقييم النظام القيمي الغربي بأكمله (الحب والزواج، والثقافة الشعبية، والتحول من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد الخدمي) التي وقعت منذ أعوام الخمسينات والستينات، حيث بلغت ذروتها في الثورة الاجتماعية لعام 1968—التي توصف بالمصطلح ما بعد الحداثية.
ولكن السؤال الذي يبقى مطروحا في النهاية وهو كتعبير عن وجهة نظري حول ما رأينه سالفا:

هل تشكل تيارات ما بعد الحداثة بديلا عن فكر الأنوار والتحديث؟ وهل استطاعت أن تهدم هذه التركة الثرية، بل هل تمكنت بالفعل من القطيعة معها؟
ألا تكون في راديكاليتها النقدية نفسها مظهرا من مظاهر النزوع النقدي التنويري ودليلا على ديناميته؟