حين يصبح النقد جريمة… مفارقة الخطاب الإعلامي الرسمي في الجزائر

حين يصبح النقد جريمة… مفارقة الخطاب الإعلامي الرسمي في الجزائر

حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

رشيد بوريشة –

يثير ردّ الفعل الجزائري الغاضب على تقرير بثته قناة فرانس 2 الفرنسية أكثر من علامة استفهام، ليس فقط حول مضمون التحقيق، بل أساسًا حول منطق التعامل مع الإعلام والنقد في الخطاب الرسمي الجزائري. فالدولة التي اعتبرت التقرير «عدوانًا» و«نسجًا من الأكاذيب»، هي نفسها التي فتحت، ولسنوات طويلة، شاشتها العمومية ومنابرها الرسمية لحملات يومية هجومية ضد المغرب، دون حرج ولا ضوابط.

المحلل السياسي المغربي والوزير السابق لحسن حداد وصف هذا السلوك بما يشبه «النفاق السياسي»، وهو توصيف قد يبدو قاسيًا، لكنه يعكس تناقضًا صارخًا: كيف يمكن لنظام سياسي أن يحتجّ على تحقيق صحفي أجنبي، في الوقت الذي يرعى فيه إعلامًا رسميًا يقوم على الاتهام، والتشهير، وترويج الأخبار غير الموثقة ضد دولة جارة؟

الإشكال هنا لا يتعلق فقط بتقرير فرانس 2، ولا حتى بمضمونه، بقدر ما يرتبط بفهم السلطة الجزائرية لمفهوم حرية الصحافة وحدودها. فحين يكون الإعلام في خدمة الرواية الرسمية فقط، يصبح أي صوت خارجي—مهنيًا كان أو نقديًا—تهديدًا يجب إسكاته، لا مادة للنقاش أو الرد بالحجة.

اللافت أن الإعلام الجزائري الرسمي لم يتردد، في مناسبات عديدة، في استغلال الكوارث الطبيعية والأحداث الإنسانية لتصفية حسابات سياسية، في مشهد يختفي فيه الضحايا لصالح الشعارات. وهو ما يجعل الاحتجاج اليوم على «الإساءة» و«الاستفزاز» انتقائيًا، تحكمه اعتبارات سياسية لا أخلاقية ولا مهنية.

الفرق الجوهري، كما يراه كثيرون، أن البرامج الاستقصائية الغربية—مهما اختلفنا معها—تقوم على وثائق وشهادات وصور ومسؤولية قانونية، في حين أن الخطاب الإعلامي الرسمي في الجزائر غالبًا ما يكتفي بالتخوين والتوصيف الانفعالي، دون أدلة أو مساءلة داخلية. ولذلك، لم يعد جزء واسع من الرأي العام الجزائري نفسه يثق في هذه الرواية الأحادية.

القضية إذن أعمق من استدعاء دبلوماسي أو بيان غاضب. إنها مسألة نظام سياسي يريد أن يهاجم بلا قيود، لكنه يرفض أن يُسأل أو يُنتقد. يريد إعلامًا مطلق الحرية حين يكون هجوميًا، ومقيدًا حين يكون استقصائيًا. وهذه معادلة لا تصمد طويلًا في عالم مفتوح، تتعدد فيه المنصات، وتتراجع فيه فاعلية الرقابة التقليدية.

في النهاية، لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على إسكات الإعلام، بل بقدرتها على تحمّل النقد والرد عليه بالحقيقة، لا بالبيانات الغاضبة. أما ازدواجية المعايير، فغالبًا ما تكون أول اعتراف غير مباشر بضعف الرواية الرسمية.