
تنظيم عالمي وضيافة تاريخية.. المغرب يرفع سقف “الكان”
رشيد بوريشة
في نسخة استثنائية من كأس أمم إفريقيا، ينجح المغرب في تقديم نموذج متكامل للتنظيم المحكم، عنوانه الجودة، وروحه الانفتاح، ومرجعيته قيم الضيافة والتعايش. فقد شكلت البطولة القارية مناسبة جديدة أبرزت قدرة المملكة على احتضان التظاهرات الكبرى وفق أعلى المعايير، سواء على مستوى التنظيم أو الاستقبال أو التدبير اللوجستيكي والأمني.
ومنذ وصول أولى الوفود، كان واضحًا أن الترحيب الحار لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل سلوكًا جماعيًا جسّدته مختلف المدن المغربية، حيث حظيت كل المنتخبات وجماهيرها بعناية خاصة، دون أي تمييز، بما في ذلك جماهير دول تُعرف مواقفها العدائية تجاه المغرب. هذا النهج لم يكن وليد الصدفة، بل جاء بتعليمات سامية من جلالة الملك محمد السادس، حرصًا على إنجاح البطولة رياضيًا وإنسانيًا، وترسيخ صورة المغرب كبلد يفضل الحكمة وضبط النفس، ويرفض منطق المعاملة بالمثل أو الانجرار نحو العنف، رغم العلم المسبق بوجود محاولات لإفشال “الكان” من داخل المدرجات.
مظاهر الضيافة التي لمستها الوفود الإفريقية، من لحظة الوصول إلى مغادرتها، عكست حجم التحضيرات الدقيقة التي قادتها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والتي راهنت على إنجاح الحدث من زاوية شمولية، لا تقتصر على المستطيل الأخضر، بل تشمل جودة الاستقبال، ونجاعة الخدمات اللوجستية، وسلاسة التنقل، وحسن الإقامة.
وسجّل تنظيم هذه النسخة سابقة غير مسبوقة في تاريخ كأس أمم إفريقيا، حيث اعتمدت الدولة المنظمة لأول مرة على ستة ملاعب رسمية لاحتضان المباريات، إلى جانب تخصيص ملعب تداريب مستقل رهن إشارة كل منتخب مشارك، ما مكّن المنتخبات من إجراء حصصها التدريبية في أجواء مريحة، ووفق برامج تقنية تحددها أطقمها دون أي ضغط أو إكراهات تفرضها الظروف اللوجستية.
وعلى مستوى الأرقام، يقترب المغرب من تحطيم أرقام قياسية غير مسبوقة، سواء من حيث الحضور الجماهيري في الملاعب أو نسب المتابعة عبر الشاشات داخل القارة وخارجها، وهو ما يؤكد جاذبية البطولة وحسن تسويقها، في انسجام مع الرهان على كرة القدم كقوة ناعمة ورافعة للإشعاع القاري والدولي.
كما فرضت البنية التحتية الرياضية نفسها بقوة، بعد نجاح المملكة في تشييد وتجديد ملاعب بمعايير عالمية، وفي ظرف قياسي لم يتجاوز سنة ونصف، بشهادة الاتحادين الدولي والإفريقي لكرة القدم. هذا إلى جانب توفر شبكة فندقية مصنفة، وطرق سيارة حديثة، ووسائل نقل متطورة، سهلت حركة المنتخبات والجماهير، وضمنت انسيابية غير مسبوقة في التنقل بين المدن المحتضنة للمباريات.
ولم يغب الجانب الأمني عن هذه المعادلة، حيث تم تسجيل نجاح لافت في تدبير الحشود وضمان سلامة الجميع، في تنسيق محكم بين مختلف المتدخلين، ما عزز الإحساس بالأمان لدى الوفود والزوار.
وفي السياق ذاته، تتقدم الأشغال بوتيرة متسارعة بالملعب الكبير للدار البيضاء، الذي يُرتقب أن يكون الأكبر في العالم، ليؤكد مرة أخرى أن المغرب لا يكتفي بإنجاح الحاضر، بل يستثمر بثبات في المستقبل، واضعًا نفسه في مصاف الدول القادرة على احتضان أكبر التظاهرات الرياضية العالمية.
