حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

أبو رضى –

قضية الممثلة المغربية غيثة عصفور التي انتهت بقرار قضائي يبرئها من تهمة الخيانة الزوجية، ليست مجرد حدث عابر في سجل المحاكم، بل هي جرس إنذار يسلط الضوء على ظاهرة خطيرة تتنامى في عصر الإعلام الرقمي: التشهير وإشاعة الفاحشة بين الناس.
من منظور إسلامي، يُعتبر نشر أخبار الفساد الأخلاقي أو اتهام الناس في أعراضهم من كبائر الذنوب. وقد قال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ” (النور: 19). كما نهى القرآن الكريم عن القذف بغير بيّنة، واعتبره جريمة تستوجب العقوبة، فقال جل شأنه: “وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً” (النور: 4).
هذه النصوص القطعية تدل بوضوح على أن مجرد الميل إلى إشاعة أخبار السوء، أو الخوض في أعراض الناس دون دليل، يدخل في باب المحرمات التي تفسد المجتمع وتزرع الفتنة بين أفراده.
من الناحية القانونية، فإن التشهير ونشر أخبار كاذبة يندرج ضمن الأفعال المجرمة بمقتضى القانون الجنائي المغربي، وخاصة الفصول المرتبطة بـ”القذف” و”السب العلني”. القانون يعاقب كل من يتعمد نشر أخبار أو ادعاءات من شأنها المساس بشرف الغير أو اعتبارهم، خصوصاً إذا لم تصدر عن حكم قضائي نهائي.
القضاء المغربي حين برّأ غيثة عصفور، أعاد التذكير بمبدأ أصيل: المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وأي إخلال بهذا المبدأ عبر حملات التشهير، سواء على وسائل الإعلام أو المنصات الرقمية، هو اعتداء مزدوج: على القانون من جهة، وعلى كرامة الإنسان من جهة أخرى.
ما حدث من حملة منظمة على مواقع التواصل الاجتماعي ضد الممثلة، قبل أن تقول المحكمة كلمتها، يكشف عن خلل في التعاطي الإعلامي مع القضايا الأخلاقية. فبدل الالتزام بأخلاقيات النشر، انخرط البعض في ما يشبه “محكمة شعبية” تُصدر أحكاماً مسبقة وتبني على الشبهة والظن.
إن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقتضي أن يُحاكم الفعل داخل قاعات المحاكم، لا عبر الهاشتاغات ومقاطع الفيديو، لأن نتائج التشهير قد تدمّر حياة أشخاص أبرياء وتترك ندوباً نفسية لا يمحوها الزمن.
تبرئة غيثة عصفور لا تعني فقط إنصاف شخص تعرض للتشهير، بل تضع أمامنا جميعاً مسؤولية أخلاقية ودينية وقانونية: كفّ الألسن والأقلام عن الخوض في أعراض الناس.
فالمجتمع الذي يشيع فيه القذف والافتراء، هو مجتمع يفقد الثقة، وتتفكك فيه الروابط، وتُستباح فيه الحرمات.
لقد جاء الشرع والقانون معاً ليحصّنا الإنسان من ظلم الكلمة قبل ظلم الفعل. ومن هنا، فإن أي تساهل مع حملات التشهير هو فتح لباب الفتنة، و”الفتنة أشد من القتل”.