أبو رضى –
في مشهد يختزل انحدار جزء من المشهد الثقافي والإعلامي في المغرب، شهدت إحدى الضواحي تنظيم “حفل توزيع جوائز” غير رسمي، حضره عدد من مشاهير “السوشيال ميديا” الذين دأبوا على تقديم محتوى فارغ من أي قيمة معرفية أو فنية، واستعراض حياة الترف أو العنف اللفظي، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة.
الحدث الذي أقيم في مكان أشبه بـ”التِّيرا”، لم يكن سوى مسرحية عبثية لتبادل التهاني بين أشخاص اختاروا الطريق الأسهل نحو الشهرة: تفاهة مفرطة، محتوى هجين، وادعاء “التأثير”. المفارقة الكبرى أن الجائزة الأهم وُضعت في يد أحد أكثرهم إثارة للجدل، ويتعلق الأمر بـ”إلياس المالكي”، الذي نُصّب من طرف رفاقه كـ”أكثر المؤثرين تأثيرًا”، في مفارقة ساخرة توضح كيف باتت قيم التهريج معيارًا للنجاح في زمن الإعلام المفتوح.
الحفل لم يكن مغلقًا، بل حضره عدد من المتابعين، ممن يُوصفون بأنهم “قطيع إلكتروني” تغيب لديهم أية قدرة نقدية لتمييز الغث من السمين، فصفقوا بحرارة وكأنهم يشهدون على إنجاز وطني يستحق الفخر. هذا السلوك الجماعي يطرح أسئلة حقيقية حول الذوق العام، وأثر المحتوى الرقمي الهابط في تشكيل وعي جيل كامل.
أن تصل التفاهة إلى مرحلة توزيع الجوائز والاحتفال بها، فهذا مؤشر خطير. الأمر لم يعد يقتصر على “سكيتشات” سخيفة أو مقاطع فيديو تمتلئ بالسباب والضحك السطحي، بل صار مشروعًا متكاملًا مدعومًا بجمهور، ومنصات، وأموال، بل وحتى برعاية غير معلنة أحيانًا. الأخطر من ذلك هو الصمت غير المبرر من الجهات الوصية، سواء في قطاع الاتصال أو الثقافة أو التربية.
أمام هذا الواقع، تُطرح ضرورة تدخل الدولة بشكل عاجل وحاسم، لوضع حدود واضحة لما يُنشر ويُبث على المنصات الاجتماعية، وتشجيع محتوى بديل يرقى بالذوق العام ويعيد الاعتبار للمضمون التربوي والثقافي. فترك الساحة لأصحاب المحتوى التافه دون توجيه أو رقابة، يعني أننا نسير بخطى ثابتة نحو إنتاج أجيال فارغة من أي وعي أو فكر أو طموح.
التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات، بل بمدى الأثر الإيجابي في بناء المجتمع. ومؤسف أن نرى من يُلقب بـ”المؤثر” وهو لا يملك لا رؤية ولا رسالة، بل يستثمر في السخرية من الناس، واستعراض مشاهد البذاءة، وجرّ القاصرين نحو مفاهيم مغلوطة عن النجاح والقدوة.
التصفيق للتفاهة ليس تعبيرًا عن حرية، بل هو جرس إنذار ينبهنا إلى عمق الهوّة التي نفقد فيها المعنى، ونقايض فيها القيمة بالفراغ، والوعي بالترند.
السكوت عن “جوائز التفاهة” هو تواطؤ غير مباشر مع الانحدار الجماعي. والمطلوب اليوم ليس فقط الانتقاد، بل تحرك فعلي من مؤسسات الدولة، ومن النخب الفكرية والثقافية، لحماية المجتمع من هذا الانزلاق. فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي رفعت التافهين إلى مقام القدوة.
