
بين التطوع وعلاقة الشغل… قراءة قانونية وإدارية في حدود “العمل المجاني” داخل الشركات
رشيد بوريشة –
في ظل التحولات التي يعرفها سوق الشغل، وازدياد أشكال التعاون غير التقليدية، يطرح موضوع “العمل التطوعي” داخل الشركات الخاصة إشكالات قانونية وإدارية متزايدة، خاصة عندما تختلط النوايا الحسنة بغياب التأطير القانوني الواضح. فهل يكفي تقديم خدمة لفائدة شركة، دون عقد أو أجر، لاكتساب صفة “أجير”؟ أم أن الأمر يظل في إطار التطوع والمساعدة العابرة؟
تظهر هذه الإشكالية بشكل واضح في حالات يقدم فيها أفراد خدمات تقنية أو استشارية، بدافع الصداقة أو الرغبة في المساعدة، دون اتفاق مسبق أو مقابل مادي. وغالبًا ما تكون هذه الخدمات متقطعة، تُنجز عن بعد، وبدون التزام زمني أو إداري، وهو ما يجعل توصيفها القانوني محل نقاش عند نشوب أي خلاف لاحق.
الإطار القانوني: متى تتحقق علاقة الشغل؟
ينطلق تحديد علاقة الشغل، وفق القواعد العامة، من توفر ثلاثة عناصر أساسية:
أولها التبعية، أي خضوع الشخص لسلطة المشغل من حيث التوجيه والمراقبة؛
وثانيها الاستمرارية، بما يفيد أن العمل ليس عرضيًا أو ظرفيًا؛
وثالثها الأجر، باعتباره المقابل الطبيعي لأي عمل مأجور.
وفي غياب هذه العناصر، أو بعضها، يصعب تكييف العلاقة على أنها علاقة شغل، حتى وإن تم إنجاز أعمال فعلية لفائدة الشركة. فالقضاء لا يعتد فقط بوجود العمل، بل بطبيعته وظروف أدائه.
العمل التطوعي داخل الشركات: بين النية والواقع
من الناحية الإدارية، لا يُعتبر العمل التطوعي داخل الشركات الخاصة إطارًا منظمًا بشكل دقيق، بخلاف العمل الجمعوي. لذلك، فإن أي مساهمة “مجانية” لفائدة شركة ربحية تظل في منطقة رمادية، خاصة إذا لم تُؤطر باتفاق مكتوب يحدد طبيعتها وحدودها.
وفي كثير من الحالات، يكون الدافع هو الصداقة أو بناء الخبرة، حيث يقدم الشخص خدمات محدودة، دون التزام بالحضور أو التقيد بجدول زمني، وأحيانًا بالتوازي مع عمله لدى جهة أخرى. هذه المؤشرات تُضعف بشكل كبير إمكانية اعتبار العلاقة علاقة شغل، وتدعم توصيفها كتطوع أو مساعدة عرضية.
عبء الإثبات: من يدّعي صفة الأجير؟
رغم أن القانون لا يشترط وجود عقد مكتوب لإثبات علاقة الشغل، فإن عبء الإثبات يقع على عاتق من يدّعي صفة الأجير. ويتطلب ذلك تقديم أدلة ملموسة، مثل الخضوع للتعليمات، أو الانتظام في العمل، أو الاستفادة من مقابل مادي مباشر أو غير مباشر.
غير أن وجود شهود يؤكدون الطابع التطوعي للعمل، أو غياب أي أثر للأجر، أو كون العمل متقطعًا وغير منتظم، كلها عناصر تضعف هذا الادعاء، وتجعل من الصعب إقناع القضاء بوجود علاقة شغل فعلية.
الشق المدني: هل يمكن التعويض؟
في بعض الحالات، يتم اللجوء إلى فكرة “الإثراء بلا سبب” كبديل للمطالبة بالتعويض، خاصة إذا استفادت الشركة من العمل المنجز دون مقابل. غير أن هذا المسار يظل مشروطًا بإثبات تحقق منفعة فعلية ومادية لفائدة الشركة، وهو ما قد لا يتوفر دائمًا، خصوصًا إذا كان العمل المنجز لا يدر أي عائد مالي.
تداعيات إدارية وتنظيمية
تعكس هذه الحالات أيضًا غياب ثقافة التوثيق داخل بعض المقاولات، حيث يتم الاعتماد على العلاقات الشخصية بدل الأطر التعاقدية. وهو ما قد يفتح الباب أمام نزاعات مستقبلية، ويضع الطرفين في وضع قانوني هش.
لذلك، يوصي مختصون بضرورة:
توثيق أي تعاون، ولو كان تطوعيًا، عبر اتفاق بسيط يحدد طبيعته
تجنب تكليف أشخاص بمهام مستمرة دون إطار قانوني واضح
الفصل بين العلاقات الشخصية والعلاقات المهنية
خلاصة
إن تقديم خدمات لفائدة شركة دون أجر أو عقد لا يكفي، في حد ذاته، لاكتساب صفة الأجير. فالعبرة، قانونيًا، ليست بمجرد إنجاز العمل، بل بتوفر شروط علاقة الشغل من تبعية واستمرارية ومقابل.
وفي ظل غياب هذه العناصر، يظل العمل أقرب إلى التطوع أو المساعدة، مهما كانت طبيعته، ما لم يتم تأطيره بشكل قانوني واضح يحدد الحقوق والواجبات، ويجنب الأطراف أي نزاع محتمل.
