حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

 

عبدالله خباز

رغم أن سيارات الأجرة تعد شريانا حيويا في حياة المغاربة ، و مرفقا يوميا لا غنى عنه يربط بين الأحياء والمدن و المراكز القروية ، فإن هذا القطاع الحيوي يشهد في عدد من مناطق المملكة ممارسات مقلقة تسيء إلى سمعته و ترهق أعصاب المواطنين ، و تطرح بإلحاح سؤال الانضباط و المسؤولية .

فكم من مواطن وجد نفسه مرفوضا من طرف سائق يختار زبناءه على هواه ، أو يفرض تسعيرة غير قانونية ، أو يرفض تشغيل العداد في المدن الكبرى ، أو حتى يتجاهل الركاب رغم حاجتهم الماسة إلى وسيلة نقل ؟ و كم من راكب اضطر لتحمل موسيقى صاخبة أو كلمات غير لائقة ، أو تصرفات لا تليق بمهنة تتطلب الاحترام و الالتزام قبل المقابل المادي ؟

الأدهى من ذلك أن بعض السائقين ، وهم فئة محدودة لحسن الحظ ، يقودون سياراتهم بتهور واضح ، معرضين حياة الركاب للخطر ، بل و تسجل في بعض الحالات سلوكيات مشينة تمس بأخلاق المهنة و كرامة الزبناء ، سواء بعدم النظافة ، أو التدخين داخل السيارة ، أو الكلام الجارح ، أو قيادة المركبة بسرعة جنونية أو في حالة غير طبيعية . مشاهد كهذه تضعف ثقة المواطن في النقل العمومي و تسيء لصورة البلد أمام زواره .

إن المشكلة ليست في المهنة ذاتها ، بل في غياب الانضباط و ضعف الرقابة في بعض المناطق ، و غياب الوعي المهني لدى فئة من السائقين الذين ينسون أن سيارة الأجرة ليست ملكا شخصيا ، بل وسيلة عمومية لخدمة الناس وفق ضوابط و أخلاقيات واضحة . فالسائق قبل أن يكون ناقلا ، فهو واجهة للمدينة ، و صورته تعكس مستوى النظام و الاحترام في المجتمع .

و في المقابل ، لا يمكن إغفال ما يقوم به كثير من السائقين الشرفاء الذين يؤدون عملهم بكل التزام و مسؤولية ، و يعاملون الزبناء بأخلاق عالية ، و يستحقون كل التقدير . هؤلاء هم النموذج الذي ينبغي أن يحتذى ، و هم رأس المال الحقيقي الذي يجب حمايته من الفوضى و من تجاوزات بعض الزملاء .

لقد صار لزاما على السلطات المعنية و وزارة النقل و الجماعات المحلية أن تتحرك بجدية لضبط القطاع ، عبر مراقبة صارمة ، و تفعيل العقوبات التأديبية بحق المخالفين ، إلى جانب تنظيم دورات تكوينية و تحسيسية ترفع من الوعي المهني و تغرس ثقافة الاحترام و المسؤولية في الميدان . كما ينبغي إشراك جمعيات المهنيين و المجتمع المدني في مراقبة الوضع و تقديم المقترحات الإصلاحية .

إن قطاع سيارات الأجرة ليس مجرد وسيلة نقل ، بل مرفق عمومي يعكس صورة المجتمع و انضباطه . و إصلاحه لا يتطلب فقط قوانين ، بل إرادة حقيقية لإعادة الاعتبار لقيم الخدمة العامة ، و الاحترام المتبادل ، و المهنية الصادقة .

فحين يعي كل سائق أن راكبه هو شريكه في الطريق ، و أن المعاملة الحسنة و الاحترام واجب قبل الأجرة ، سنكون قد خطونا خطوة كبيرة نحو نقل حضاري يليق بالمغاربة ، و يجعل من سيارات الأجرة رمزا للثقة ، لا مصدرا للتذمر .