بقلم: الأستاذ المصطفى الهيبة
***مقدمة: الرياضة بين الوطنية والسياسة
تُعد الرياضة في المغرب، وفي معظم دول العالم، مرآة عاكسة للمجتمع ومؤشرًا على ديناميكيته السياسية والثقافية. ومنذ بداياتها الحديثة، لم تكن الرياضة نشاطًا بريئًا بالكامل، بل أصبحت مجالًا خصبًا للتأثير السياسي، سواء بشكل مباشر من خلال دعم الأنظمة للمؤسسات الرياضية، أو بشكل غير مباشر عبر التوظيف الرمزي لإنجازات الرياضيين.
في المغرب، تعمق هذا التداخل بين الرياضة والسياسة عبر عقود، وتحوّلت النجاحات الرياضية إلى أدوات في يد الدولة والمؤسسات الحزبية لتكريس شرعيتها، وتحويل الملاعب إلى منصات رمزية لتأطير الرأي العام، وامتصاص الغضب الاجتماعي، بل أحيانًا لإعادة توجيه النقاش العام بعيدًا عن القضايا السياسية الحساسة.
***التحول التاريخي للرياضة في المغرب
-الحقبة الكولونيالية (1912 – 1956):
الرياضة كأداة استعمارية
خلال فترة الحماية الفرنسية، كانت الرياضة في المغرب حكرًا على الجاليات الأوروبية، ولم يُسمح للمغاربة إلا بممارسة الرياضة في أندية هامشية. لكنها تحولت في الأربعينيات والخمسينيات إلى فضاء لمقاومة الاحتلال، حيث ظهرت أندية ذات طابع وطني كـ “الوداد الرياضي”، الذي كانت تأسيسه سنة 1937 يحمل بعدًا نضاليًا في وجه التمييز الاستعماري.
-ما بعد الاستقلال: الرياضة في خدمة الدولة الوطنية:
مع حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، سارعت الدولة إلى “مغربة” الرياضة، وأعادت تنظيم القطاع تحت إشراف وزارة الشباب والرياضة. وشهدت الستينيات والسبعينيات اهتمامًا متزايدًا بالرياضة، ليس فقط لتنمية القدرات البدنية، ولكن أيضًا لاستخدامها كوسيلة لبناء الهوية الوطنية. وقد ظهر هذا جليًا في تشكيل فرق وطنية تُعبر عن “الوحدة المغربية” وتُمثل رموز الدولة، مثل فريق الجيش الملكي، الذي تأسس سنة 1958 تحت رعاية المؤسسة العسكرية.
***الرياضة كوسيلة للشرعية السياسية
1. توظيف رمزية الإنجاز الرياضي:
. المنتخب المغربي لكرة القدم، الذي يعتبر المرآة الأولى لوجدان الشعب، لعب أدوارًا مفصلية في تاريخ المغرب السياسي. من خلال نجاحاته، تمكّنت الدولة من تعزيز خطاب “الاستقرار والتقدم”، خاصة في لحظات الأزمة.
• مونديال 1986 بالمكسيك: شكل التأهل التاريخي للدور الثاني لحظة إجماع وطني نادرة، في وقت كان المغرب يعيش توترًا سياسيًا واقتصاديًا. وقد استخدمت الدولة هذا الإنجاز لخلق حالة من “الهدنة الشعبية”.
• كأس العالم 2022 في قطر: مع وصول المغرب لنصف النهائي، جُيّرت الإنجازات للاحتفاء بـ”الاستثناء المغربي”، وتم ربط الأداء الرياضي بـ”نجاح النموذج التنموي الجديد”، رغم استمرار معاناة قطاعات أخرى.
2. الترشيحات المتكررة لتنظيم كأس العالم:
قدّم المغرب ترشيحات لتنظيم كأس العالم أعوام 1994، 1998، 2006، 2010، وأخيرًا 2026. وقد شكلت هذه الترشيحات، رغم فشلها، مسرحًا دعائيًا للسلطة السياسية، حيث يتم عرض “قدرات المغرب التنظيمية”، ولو كانت على حساب الإنفاق العمومي الكبير في ظل اختلالات اجتماعية صارخة
***الرياضة والأحزاب السياسية: استغلال مباشر وغير مباشر
1. حملات انتخابية داخل الملاعب
يلاحظ مراقبون أن بعض المرشحين للانتخابات البرلمانية والجماعية يستغلون انتماءاتهم الرياضية أو دعمهم لأندية معينة لاستمالة الناخبين، خاصة في المدن الكبرى كـ الدار البيضاء، فاس، ومراكش،و الرباط، حيث يتم تسخير روابط المشجعين والقيادات الرياضية لكسب الشعبية.
2. تسييس الأندية الرياضية:
العديد من الأندية الكبرى، مثل الرجاء والوداد، تخضع بشكل غير مباشر لتدخلات سياسية سواء من خلال تعيين الرؤساء بدعم من مسؤولين، أو من خلال تحكيم سياسي في النزاعات، ما يُفرغ العمل الرياضي من استقلاليته، ويجعله تابعًا لمنطق الولاءات.
***الجمهور الرياضي: من الولاء إلى الاحتجاج
-مدرجات الألتراس كفضاء بديل للتعبير السياسي:
في ظل غلق الفضاءات السياسية التقليدية واحتكار الإعلام، برز جمهور الألتراس في السنوات الأخيرة كفاعل سياسي غير تقليدي، عبّر من خلال الأغاني والشعارات عن غضب اجتماعي وسياسي حاد:
• أغنية “في بلادي ظلموني” (2018)، التي أطلقتها جماهير الرجاء، تحولت إلى نشيد احتجاجي دولي، وانتقدت من خلالها الأوضاع المعيشية، وغياب العدالة الاجتماعية.
• شعارات الألتراس تتضمن غالبًا إشارات إلى الفساد، الظلم، وتدهور التعليم والصحة، مما جعل الملاعب ساحة سياسية غير رسمية
***الإعلام الرياضي: أداة للبروباغندا؟
وسائل الإعلام المغربية، وخصوصًا العمومية، تسهم في التوظيف السياسي للرياضة عبر:
• التغطيات التمجيدية للإنجازات الرياضية، مع ربطها بالدولة ورمزيتها.
• تجاهل المشاكل البنيوية في القطاع، مثل غياب البنية التحتية في الأحياء الفقيرة، وضعف تكوين الأطر الرياضية.
• إقصاء الأصوات المنتقدة لتسيير الجامعات والنوادي، رغم تواتر التقارير حول الفساد الإداري
***الرياضة كمجال اقتصادي موجه سياسياً:
المشاريع الرياضية الكبرى مثل “مركب محمد السادس لكرة القدم” و”مدينة محمد السادس الرياضية” رغم أهميتها، تطرح تساؤلات حول أولويات الإنفاق العمومي، خصوصًا أن هذه المشاريع غالبًا ما تُطلق دون مشاورات مجتمعية، ويتم الترويج لها كإنجازات “ملكية” لا تقبل النقاش رغم انها مكسب من مكاسب المجتمع المغربي ، في حين تعاني المدارس والأحياء من نقص في البنية التحتية الرياضية.
***من أجل رياضة مستقلة وذات نفع اجتماعي:
لكي تستعيد الرياضة دورها الحقيقي، يجب:
• إبعادها عن منطق الولاءات السياسية، وضمان استقلالية الجامعات والنوادي.
• إعادة الاعتبار للرياضة القاعدية في الأحياء والمدارس.
• تدقيق ومراقبة التمويل العمومي للرياضة بشكل شفاف.
• تعزيز حرية التعبير داخل الملاعب كمكسب ديمقراطي لا يجب مصادرته.
الفصل بين الترابط السياسي و الرياضي و تقليل مساحة استغلال السياسيين للمجال الرياضي
اعتبار المجال الرياضي مجالا حيويا ثابثا لا تأثر فيه التغيرات السياسية.
***خاتمة
الرياضة في المغرب ليست مجرد مسألة نتائج أو كؤوس، بل هي مرآة تعكس التحولات السياسية والاجتماعية العميقة. وإذا كانت السلطة قد نجحت في استخدام الرياضة كوسيلة للتهدئة والتحكم الرمزي، فإن الجماهير بدورها أعادت المعادلة لصالحها، وحولت المدرجات إلى منابر للنقد والاحتجاج. وبين هذا وذاك، تبقى الحاجة ملحة لإعادة التفكير في علاقة الرياضة بالسياسة، بشكل يضمن استقلالية القرار الرياضي، ويُعزز الدور التنموي الحقيقي للرياضة في خدمة المواطن، لا في خدمة السلطة.
المراجع المعتمدة:
1. الزاهي، محمد. الرياضة والهوية الوطنية في المغرب. مجلة “وجهة نظر”، العدد 52، 2011.
2. بوحليقة، يوسف. السياسة والرياضة في المغرب: علاقة ملتبسة. أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق – أكدال، 2020.
3. Amara, Mahfoud. Sport, Politics and Society in the Arab World. Palgrave Macmillan, 2012.
4. Rachik, Hassan. Le proche et le lointain: un siècle du politique au Maroc. Éditions Le Fennec, 2012.
5. تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تمويل الجامعات الرياضية، 2021.
6. تغطيات قناة الجزيرة، فرانس 24، BBC حول “في بلادي ظلموني” وتأثير الألتراس السياسي (2018–2023).
7. FIFA World Cup Bid Evaluation Reports (1994–2026)
8. جريدة “هسبريس” – مقالات تحليلية حول الرياضة والاحتجاجات الجماهيرية (2020–2024).
* المصطفى الهيبة(إطار بقطاع الرياضة)
