حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

– طارق نصراوي

مدونة الأسرة المغربية، التي شكلت منذ إصدارها عام 2004 نقلة نوعية في التشريع الأسري بالمغرب، تقف اليوم أمام امتحان جديد، بين مقترحات التعديل المطروحة على طاولة النقاش العام، و التحديات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية المتفاقمة، إذ بات الحديث عن حماية الأسرة المغربية ضرورة لا جدال فيها، ذلك أن الأسرة ليست مجرد رابطة اجتماعية، بل هي أساس استقرار المجتمع، و حين تهتز هذه المؤسسة، يتداعى البنيان الاجتماعي ككل.

لعل أبرز التحديات التي تواجه الأسرة المغربية اليوم هو الوضع الاقتصادي الذي يضغط بقوة على قدرة الأسر على الاستمرار، إذ ارتفاع الأسعار و البطالة و تراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تجعل من الحياة الأسرية عبئاً ثقيلاً على الأزواج، فالشاب المقبل على الزواج يواجه صعوبة في توفير الحد الأدنى من متطلبات تأسيس أسرة، فيما تعاني الأسر القائمة من صعوبة تأمين الحاجيات الأساسية مثل السكن، و التعليم و الرعاية الصحية.

هذه الأوضاع المادية الخانقة لا تخلق فقط نزاعات داخل الأسرة، بل تدفع أحياناً إلى تفككها، حيث يصبح الطلاق مخرجاً سريعاً للهروب من المسؤوليات المشتركة.

الأزمة الاقتصادية ليست وحدها هي التي تهدد استقرار الأسرة، إذ باتت الثقافة المهيمنة تروج لقيم و مفاهيم جديدة، تضعف من قدسية الأسرة، حيث مواقع التواصل الاجتماعي، التي غزت كل تفاصيل حياتنا اليومية، تلعب دوراً محورياً في تشكيل هذه الثقافة.

في كثير من الأحيان، يتم تقديم الطلاق كقرار “تحرري” يُمكّن المرأة من تحقيق استقلاليتها الاقتصادية و الاجتماعية، و هذا التوجه لا يخلو من مبالغة و تسطيح، إذ يتم تجاهل الآثار النفسية و الاجتماعية العميقة التي يخلفها الطلاق، خاصة على الأبناء.

إضافة إلى ذلك، باتت بعض النساء ينظرن إلى الطلاق، بدعم من هذه الثقافة الجديدة، كوسيلة لتحقيق مكاسب مادية، إذ الحصول على النفقة أو الحضانة يمكن أن يُستغل أحياناً كمدخل لمشروع مربح، خاصة إذا كان الزوج في وضع مادي ميسور.

هذه الظاهرة، و إن كانت لا تمثل الأغلبية، تثير قلقاً مشروعاً بشأن استغلال الحقوق المشروعة لتحقيق أهداف بعيدة عن روح التضامن و التكافل، التي يجب أن تسود داخل الأسرة.

من جهة أخرى، يبدو أن غياب الوازع الديني عن الكثير من العلاقات الأسرية، قد فاقم من هذه الأزمات، حيث أن الدين الإسلامي، الذي يعتبر الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع، يدعو إلى قيم التضحية، و الصبر و الحوار لحل الخلافات، لكن في ظل تراجع تأثير هذه القيم، أصبحت الخلافات الزوجية تُحل سريعاً باللجوء إلى الطلاق بدل البحث عن حلول وسطى، كما أن غياب التوعية الدينية و الاجتماعية أضعف هذه القيم، و جعل العلاقة الزوجية أكثر هشاشة أمام الأزمات.

في ظل هذه التحديات، تبدو مدونة الأسرة بحاجة إلى تعديل يُراعي الواقع المعيش، دون الإخلال بمبادئ الشريعة الإسلامية التي قامت عليها.

يجب أن تُركز التعديلات على تعزيز الوساطة الأسرية، بحيث تصبح إلزامية قبل أي قرار بالطلاق، مع إشراك مستشارين اجتماعيين و دينيين لمساعدة الأزواج على تجاوز خلافاتهم، كما أن قوانين النفقة و الحضانة تحتاج إلى ضبط أكبر لمنع أي استغلال مادي لها، و ضمان توزيع عادل للمسؤوليات بين الطرفين.

و تبقى القوانين وحدها غير كافية، إذ لا يمكن إنقاذ الأسرة المغربية دون إصلاحات اقتصادية و اجتماعية أعمق، متمثلة في تحسين الدخل الفردي، و خفض تكاليف السكن و المعيشة، و توفير دعم مباشر للأسر المحتاجة، و كلها خطوات أساسية لحماية استقرار الأسرة، كما أن الإعلام و مواقع التواصل الاجتماعي يجب أن تُوجه نحو تعزيز القيم الإيجابية للأسرة، بدل ترويج التفاهة و النزعة الفردية التي تضعف من روح التضامن العائلي.

مدونة الأسرة لعام 2024 ليست مجرد نص قانوني يُعدل أو يُضاف إليه، بل هي فرصة لإعادة بناء علاقة متوازنة داخل الأسرة، تقوم على التفاهم و التكافل و المسؤولية المشتركة، إذ الأسرة المغربية تستحق حماية أكبر، ليس فقط من خلال التشريعات، بل أيضاً عبر سياسات اقتصادية و اجتماعية تضع استقرار الأسرة في قلب الأولويات الوطنية.

بهذا النهج، يمكننا أن نحمي الأسرة المغربية، ونضمن لها البقاء كحصن متين أمام أزمات العصر.