بقلم : محمد خطيب-
يظن الكثيرون أن الوظيفة هي الاستقرار والأمان، غير مدركين أن هذا الاستقرار المزعوم قد يكون أكبر سرقة لأعمارهم. فالموظف يُحتجز منذ الثامنة والنصف صباحًا حتى الرابعة والنصف بعد الزوال، محصورًا بين جدران المكتب، فيما تمر أمامه أجمل لحظات الحياة وهو غائب عنها.
حياته كلها تصبح خاضعة للأذونات: إذن للغياب، إذن للعطلة، إذن حتى للمرض. ولا يُعترف بمرضه إلا إذا أثبته بورقة طبية، وأحيانًا يُشكك في صدقه فيُحال للفحص المضاد. يفقد لذة نوم الصباح، ومرح الشباب، وصفاء البال. يركض كل يوم للحاق بوسائل النقل ليصل في الوقت المحدد، يعيش على أعصابه، ويستهلك من صحته أكثر مما يجني من راتبه، ويبقى عالقًا بين أقراص المقويات وأدوية الأعصاب.
تتحول أحلامه إلى انتظار دائم: زيادة في الأجر، ترقية في السلم الوظيفي، ووعود النقابات والحوار الاجتماعي. وكلما مرّ الوقت، ازداد ارتباطه بالدوامة التي لا يُسمح له بمغادرتها إلا بعد تسعة وعشرين عامًا من الخدمة أو عند بلوغ سن التقاعد. حينها يُقام له حفل وداع باهت، تُلقى فيه كلمات مجاملة، وتُمنح له شهادة وهدية بلا قيمة، بينما العمر الحقيقي الذي ضاع لا يُعوَّض.
في صباح أول يوم من التقاعد، يستيقظ على صدمة: الأبناء قد رحلوا في طريقهم، الزوجة هرمت وغزا الشيب رأسها، والبيت فقد صخبه القديم. يتساءل بدهشة: متى حدث كل هذا؟ فيسمع صدى داخليًا يجيبه: لقد سرقت الوظيفة عمرك. حينها يلوم نفسه لأنه لم يملك الشجاعة لتركها وهو في كامل طاقته ليستمتع بأهله وبالحياة، لكنه يبرر بمرارة: لم يكن لي خيار آخر… ثم يركن إلى اليأس والعلاج والأدوية، حتى يرحل بصمت، كما عاش حاني الرأس.
والمأساة أن الدورة لا تنتهي، فبعد رحيله سيتسابق شباب جدد إلى نفس المباريات بحثًا عن “الاستقرار”، حاملين ذات الحلم، ليجدوا أنفسهم في نفس القيد… ولتتكرر القصة من جديد.
