عبد الكريم لحويدكي –
كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحا، ككل يوم في التعاقب التقويمي ، يتوجب علي أن أخلع عني أحلام المساء الوردية ، وأعانق حقيقة الصباح المضنية ، قهوة وجبنة على مائدة الفطور ترسوا قبل أن تعود أدراجها للثلاجة،
في أيام ديسمبر الحزين أنتظر الحافلة حينا في شوق وأحايينا في يأس ، تأتي بعد ساعة أو أكثر بقليل ، يكون بودي أن أعاتب السائق على هذا التأخير ، فأعدل.
بجواري سيدة عجوز تتحسس محفظتها فلا تجد.. أحمرُّ وأصفرُّ يخيل إلي أنها ستتوهم أنني السارق ، وسط حيرتها تتذكر أنه نزل قبل محطة ذلك الذي هرب من لجنة تفتيش الحافلة فآوته واستجارت بقربه ، وقفت مشدوهة ثم راحت تعد دارهمها المتبقية، هذه حقن للضغط وتلك ثمن سجارة زوجها المتهالك، وأخرى لمصاريف الكراء، تعرق ويجفُّ عرقها، تتذكر أنها في أولى أيام ديسمبر، وكانون لازال بعيدا بعد السماء،
ماذا ستصرف؟
فكرَت ، وقدًّرت ، فتنهدت ثم قررَت أن تمد يدها !
شعرت ببرود غير برود الشتاء يجتاحني ، وتساءلت :
هل الفقر يدفعنا للتسول ؟
هل الحاجة تلجؤنا لأن نمرغ كرامتنا في حافلة كهذه المنتنة؟
كان المشهد يجيب بكل وضوح أجل!
إننا نستطيع أن نواجه المرض، غير أن لا أحد يستطيع أن يواجه الفقر ، وما من أحد يستطيع!
لم يمنحها أحد فرنكاً
ظنوا أنها متسولة كغيرها من مالكات الفلل، والأموال النقدية ،
لقد ظنوا بها شرا ،
ولكني كنت الوحيد الذي رأى المشهد الحقيقي، وهي تجر أذيال الخيبة والقهر، كنت أشعر أنني تجرد من إنسانيتي تجردا كاملة وبت جسدا جلمودا ، أحسست بأنني فارغ من كل محتوى إنساني.
