عبد الصمد صدوق
كان الشاعر العراقي “معروف الرصافي ” جالساً في دكان صديقه الكائن أمام جامع الحيدر خانة ببغداد .
وإذا بإمرأة محجبة ، يوحي منظرها العام بأنها فقيرة و كانت تحمل صحناً في يديها ، وطلبت من صاحبه بإيماءة خفيفة، أن يعطيها بضعة قروش مقابلا لهذا الصحن.
ولكن صاحب الدكان خرج إليها وحدثها همساً ، فانصرفت المرأة الفقيرة لا تلوي على شيء.
ولما استفسر الرصافي صديقه عن غرض هذه المرأة
فقال له صاحبه متأسفا:
إنها أرملة تعيل يتميين ، وتريد أن ترهن الصحن بأربعة قروش ، كي تشتري لهما الخبز ، لسد جوعهما .
فما كان من الرصافي الا أن لحق بها ، وأعطاها اثني عشر قرشاً ،كان كل ما يملكه الرصافي في جيبه وقتها ، فأخذت السيدة الأرملة القروش ، وهي في حالة تردد وحياء ، و سلمت الصحن للرصافي ولكن الرصافي رفض أن يسلم الصحن منها وغادرها مودعا، وانصرفت المرأة الفقيرة شاكرة.
كان الرصافي لما عاد إلى بيته لم يستطيع النوم ليلتها ، و راح يكتب هذه عنها قصيدة و الدموع تنهمر من عينيه.
قصيدة بعنوان “الأرملة المرضعة “كتبت بدموع عيني الرصافي ، فجاء التعبير عن المأساة تجسيداً صادقاً لدقة أحداث الموقف ، ورقة التعبير عن مشكلة إجتماعية يعاني منها الكثير من شرائح المجتمع ألا وهي الفقر*.
وتعد هذه القصيدة من روائع الشعر العربي ، في عصر النهضة ، بل إن من روعتها وتأثيرها الكبير ، أثارت إهتمام العديد من الطلبة ، وكان من بينهم طالب فرنسي حاز على درجة الدكتوارة ، في جامعة الزيتونة بتونس ،
وترجمت قصيدته إلى اللغة الفرنسية والإنجليزية ، لتعدد الصور الوصفية المؤثرة في نفوس النبلاء :
وهذه بعض من أبياتها .
لقيتها ليتني ما كنت ألقاها
تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها
****
أثوابها رثة والرجل حافية
والدمع تذرفه في الخد عيناها
****
بكت من الفقر فآحمرت مدامعها
و أصفر كالورس من جوع محياها
****
مات الذي كان يحميها و يسعدها
فالدهر من بعده بالفقر أشقاها
****
الموت أفجعها والفقر أوجعها
والهم أنحلها والغم أضناها.
حجم الخط
+
-
1 دقيقة للقراءة
