رشيد بوريشة
في كل مرة تتعرض فيها القضية الفلسطينية لموجة جديدة من التوتر أو التصعيد، تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء واسع للنقاش والتفاعل. غير أن هذا التفاعل لا يكون دائمًا في مستوى حساسية القضية، إذ يظهر أحيانًا خطاب متسرع يوظف معاناة الفلسطينيين لخدمة أجندات شخصية أو لإثارة الجدل الإعلامي. وفي هذا السياق جاءت تدوينة دنيا الفيلالي التي تضمنت اتهامات قاسية تجاه المغرب ومؤسساته، وخصوصًا الملك محمد السادس.
غير أن القراءة المتأنية لذلك الطرح تكشف أنه يعتمد على أحكام جاهزة أكثر مما يستند إلى معطيات دقيقة. فالقضية الفلسطينية، بما تحمله من تعقيد سياسي وتاريخي، لا يمكن مقاربتها بمنطق الانفعال أو عبر اختزالها في مواقف سطحية تُنشر على مواقع التواصل.
إن موقع المغرب في ملف القدس ليس وليد اللحظة ولا نتيجة ظرف سياسي عابر، بل يرتبط بتاريخ طويل من الانخراط في الدفاع عن المدينة المقدسة. ويكفي التذكير بأن الملك محمد السادس يترأس لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، وهي هيئة تضطلع بمهمة دعم صمود الفلسطينيين في المدينة والحفاظ على طابعها الحضاري والديني.
ولا يقتصر دور هذه اللجنة على الجانب الرمزي، بل يتجسد في مبادرات ملموسة ومشاريع اجتماعية وإنسانية ساهمت في دعم سكان القدس. فقد شهدت المدينة خلال السنوات الماضية برامج في مجالات التعليم والصحة والعمل الاجتماعي، نفذتها مؤسسات مغربية بهدف مساندة المقدسيين وتعزيز قدرتهم على الاستمرار في أرضهم.
وفي مقابل الضجيج الذي يطغى أحيانًا على النقاش الرقمي، يواصل المغرب التحرك عبر القنوات الدبلوماسية للدفاع عن الوضع القانوني للقدس، والتأكيد على ضرورة احترام قدسية المسجد الأقصى وضمان حرية الوصول إليه، خصوصًا في المناسبات الدينية كشهر رمضان.
ومن المعروف أن السياسات التي تمارسها السلطات الإسرائيلية في القدس، بما فيها القيود المفروضة على المصلين أو الإجراءات التي تمس بالوضع القائم في المسجد الأقصى، تواجه انتقادات واسعة على المستوى الدولي. غير أن التعامل مع مثل هذه الملفات الحساسة يتطلب عملاً دبلوماسيًا هادئًا ومتواصلًا، لا خطابًا متشنجًا يختزل القضية في شعارات.
المشكلة في بعض الخطابات المنتشرة على مواقع التواصل أنها تسعى، أحيانًا، إلى التشكيك في مواقف الدولة المغربية، عبر الادعاء بوجود فجوة بين الموقف الرسمي ومشاعر الشارع. غير أن التاريخ القريب والبعيد يظهر أن المغاربة ظلوا دائمًا في طليعة الشعوب الداعمة لفلسطين، سواء من خلال المبادرات الشعبية أو عبر المواقف السياسية للمملكة.
غير أن هذا التضامن لا يعني الانزلاق إلى خطاب عدائي أو توظيف القضية لتحقيق حضور إعلامي سريع. فالقضايا العادلة تحتاج إلى قدر من المسؤولية والوعي، بعيدًا عن التوظيف الدعائي أو المزايدات.
إن القدس، بما تمثله من قيمة دينية ورمزية، أكبر من أن تتحول إلى موضوع للسجالات الافتراضية أو مادة لإثارة الجدل. فهي قضية معقدة تتطلب مقاربة متزنة تجمع بين التضامن المبدئي والعمل الدبلوماسي الرصين.
ولهذا، فإن محاولات التقليل من الدور الذي يقوم به المغرب لن تغير من حقيقة ثابتة، وهي أن المملكة ستظل، قيادة وشعبًا، ملتزمة بدعم الفلسطينيين والدفاع عن القدس، بعيدًا عن المزايدات والضجيج الذي لا يخدم في نهاية المطاف سوى خصوم هذه القضية.
