– عبد الصمد صدوق
يرى الطبيب الإيطالي الشهير ، لومبروزو ، أن السلوك الإجرامي ، يرتبط بالإنسان منذ نشأته ، ويتطور معه بشكل متنام ، مع نمو الشخص المجرم ويظهر ذلك في مرحلة معينة من العمر ، يصل فيها الى مايسميه علماء الإجرام ، بالنضج الإجرامي maturité criminelle و يكون حينها ، قد بدأ بآرتكاب أعمال إجرامية كبرى ، كالقتل دون أن يحس بما يحس به الإنسان العادي ، من خوف و شفقة ، و غيرها من الميكانزمات الواعية ، في الذات الانسانية ، حيث أن هذا الشخص يعتبر مجرم بالميلاد ، حسب نظره ، ماجعله يفقد كل الحصارات التي تكون عند الإنسان العادي ، و التي من شأنها أن تكبح ، إصراره على الفعل الإجرامي و ثني أفعاله اللاإرادية وغرائزه التي تدفعه إلى التنفيذ ، من أجل بلوغ الهدف الشيطاني الذي يحوم حول مخيلة المجرم ، وقد عمل لومبروزو على تشريح العديد من جثث المجرمين ، للتعرف على خصائص البنية الجسمانية و العضوية للمجرم ، فتوصل إلى نتيجة مفادها أن التركيب البشري للأعضاء مختلف تمام الإختلاف ، من شخص إلى آخر ، و أشار إلى بعض المواصفات التي تغلب على هذا النوع من الأشخاص المائل صفاته الى طبيعة الإنسان البدائي ، من بينها تجويف في مؤخرة الجمجمة ، و بروز الفكين و ضخامتها ، و شذوذ في الأذنين و العينين ، و انحدار ضيق للجبهة ، وعدم آنتظام الأسنان ، وبروز عظام الوجنتين ، وتجويف سفلي بهما ، إضافة إلى غزارة الشعر في أطراف الجسم ، وطول مفرط في الذراعين .
لكن في المقابل ، تجد نظرية لومبروزو ، إنتقادا من لدن تلميذه “كاروفارو” الذي نفى أن يكون العامل البيولوجي ، وحده السبب وراء نشوء الظاهرة الإجرامية ، بل على العكس من ذلك فالإنسان يولد شخصا عاديا ، ولكن أسباب و دوافع السلوك الإجرامي تتحكم فيه عوامل إجتماعية ونفسية ودينية .. ، كما آعتبر الضمير الأخلاقي ، معيارا محكما ، لتحديد الشعور العام بالرفق و الإستقامة ، و بهذا تكون محدودية التقسيم الثنائي للظاهرة الإجرامية ، بين التكون البيولوجي والطبيعي ، و الدوافع الإجتماعية و النفسية ، بحيث أن نظرية لومبروزو قد تتطابق في حالات إستثنائية ، كالقتل وتشويه الجثة مثلا ، أما في القضايا الأخرى كالسرقة و الاحتيال و الاغتصاب ، فقد نفى كاروفارو التسليم لمنطق العامل البيولوجي ، فالشخص الذي يرتكب مثل هذه السلوكات يولد كسائر الناس ، و لكن يعيش هذا الواقع و يستمد أفكار إجرامية من المجتمع ، و حتى من الأفلام التي تعرض في الشاشات ، ويترتب كل ذلك عن طريق هوس التفكير به .
