-بوشعيب هارة
لم يكن تناسل المقاهي المتنقلة بالغريب ولا العجيب، فكل مشروع ينجح تجد نسخاً له متعددة وبأشكال مختلفة في كل المناطق الأخرى، وإذا سئل المغربي عن بداية المقاهي المتنقلة لن يجيب، لأنه لا يعرف بالضبط أي مدينة أطلقت هذا المشروع التجاري البسيط والجميل.
ففي ظل ارتفاع الاسعار، وتفشي البطالة وقلة الإمكانيات لذى الشباب، أصبح مشهد انتشار المقاهي المتنقلة بجنبات الطرق مألوفا عند الجميع ، مجموعة من الشباب عاطلين عن العمل اختاروا إنشاء مشاريع مبتكرة وواعدة، عبارة عن مقاهي متنقلة لكسب قوت يومهم، تسترعي انتباهك وأنت تتجول سواء كنت راجلا أو على متن سيارة خاصة أو دراجة نارية أو إحدى وسائل النقل العمومية ، في منظر جد منظم ورائع .
في كل نقطة كيلومترية من طريق داخلي أو خارجي لمدينة من مدن المغرب، تصادفك سيارة وقد تزينت بحبوب البن وفناجين القهوة الدافئة التي يتعالى بخارها ، كما فتح الباب الخلفي للسيارة وتوزعت بضعة مقاعد قليلة جداً، ليستريح الزبون أثناء إعداد قهوته فقط.
مشروع عبارة عن سيارات مجهزة بآلات تحضير القهوة والمشروبات الساخنة، لشباب طموح اختاروا عدم الإستجابة للإكراهات والصعوبات الجمة التي تحيط بهم من كل جانب، وقرروا بكل عزم وثبات وإصرار الانخراط في مشاريع طموحة ومبتكرة للخروج من فخ البطالة والفقر والهشاشة، و تكون سبيلا ومسلكا لهم لتحسين وضعهم الاجتماعي وتلبية حاجياتهم ومتطلباتهم، حيث يتوافد زبناء كثر من مختلف الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية، لأخد كأس قهوة يتراوح ثمنه ما بين 5 و6 دراهم، يقدمونها في كؤوس كرتونية ذات الاستعمال الواحد.
هذه المقاهي المتنقلة للشباب و المتواجدة بمجموعة من المحاور الطرقية الهامة ، هي مشاريع طموحة ومبتكرة، تستحق الدعم والتنويه، لكونها تسهم في خلق فرص الشغل وتحرير الطاقات الخلاقة للشباب.
جريدة “ديسبريس ” اختارت أن تجرب خدمات إحدى هذه المقاهي المتنقلة عن كثب، فنزلنا ضيوفا لدى (عبد الله)، رب أسرة، وهو رجل سبق له أن زاول عدة مهن. وأثناء حديثه إلينا، قاطعنا صوت زبون توقف بسيارته عن قرب، ليسرع عبد الله بكل انشراح إلى سؤاله عن طلبه، قبل أن يقدم له كوب قهوة. مشهد اعتاد عليه منذ أن اختار النزول بسيارته على جنبات الطريق لا للسير، بل للتوقف على رصيف الطريق الساحلية ، على مستوى المسار الممتد بين الدار البيضاء و المحمدية و بالضبط أمام شاطئ زناتة.
إرتأى عبد الله الحديث عن الأسباب فأنصتنا له، ليتحدث عن بدايات التفكير في مشروعه، حيث صرح أن الفكرة جاءت بسبب الظروف الإقتصادية التي يعيشها أغلب المغاربة، فقد دفعته قلة الحيلة، وإلحاح الظروف الإجتماعية والإقتصادية إلى الخروج بسيارته المحملة بآلة عصر القهوة، ليحول السيارة إلى مقهى متنقل.
يقول عبد الله أنه في بداية مشروعه، وفتحه للمقهى المتنقل، لم يتسلح إلا بالتوكل على الله، وبرأسمال بسيط، رغم أنه لم تكن له أبدا سابقة في مجال العمل في المقاهي، وقال إن جل ما اكتسبه من معلومات أولية في المجال كان من أصدقائه المقربين.
ويرى عبد الله أن المقهى المتنقل لا يختلف كثيرا عن المقهى العادي، فيما يخص جذب الزبناء، فالأمر في النهاية لا يعتمد إلا على حسن المعاملة، وجودة الخدمة التي يقدمها المقهى المتنقل علاوة على جودة البن، وأنه في الفترة التي قضاها في هذا المكان، استطاع خلق نوع من الزبناء المخلصين لخدماته، أو كما قال: “يذهبون ويعودون”.
وتحدث عبد الله عن أسعار الخدمات التي يقدمها خصيصا، وقال إن هذه الأسعار خاضعة مبدئيا لسعر موحد من قبل جميع أصحاب المقاهي المتنقلة على صعيد المنطقة، وأما عن سبب وجود سقف موحد للأسعار، فقال أنه لا يمكن الرفع من هذا السعر ولا النزول عنه، فالرفع يعني فقدان الزبناء، فيما النزول عنه يعني الدخول في نطاق الخسارة.
وفيما يخص السعر -أيضا- يرى عبد الله أن أسعار خدمات المقاهي المتنقلة تعتبر بسيطة، وأنه رغم الغلاء الذي تعرفه المواد التموينية مؤخرا، إضافة إلى تكاليف المشروع الثابتة، كوثائق السيارة (إلخ)، فإن أسعار خدمات المقاهي المتنقلة تظل ثابتة.
وقبل توديعه، أرشدنا عبد الله إلى محمد زميل له في المهنة، شخص على نفس المسار، تفصله ربما مئات الأمتار عن سيارته، كان لنا بعد ذلك بدقائق أن نتوقف عنده، استضافنا بحفاوة، وتحدث إلينا بكل أريحية.
يحكي محمد، وهو رب أسرة في عقده الثالث أو يزيد، و صاحب ملامح مرحة وبشوش، ليس بحكم «الماركوتينغ»، بل بحكم طبيعته الإنسانية الخالصة التي هي هبة ربانية، كيف دفعته الظروف الصحية، بحكم أنه يعاني من تبعات حادثة شغل، ثم الظروف الاجتماعية والاقتصادية لأن يحول سيارته إلى مقهى متنقل، ويرى محمد أن فكرة إنشاء مقهى متنقل فكرة بدأت تنتشر لدى الشباب، للأسباب ذاتها التي دفعته ودفعت غيره إلى مزاولتها.
وبالنسبة للبدايات، فإن محمد لخص الأمر في أن الظروف الإقتصادية، وإلحاح المصاريف تدفع الشخص دفعا إلى ولوج أي مجال، فهو -كما يقول- لم تكن لديه أي خبرة سابقة بمجال المقاهي، إلا أنه قرر الاعتماد على نفسه، وبدأ مشروعه، رغم انه اضطر في البداية إلى اللجوء إلى الاقتراض من أجل الحصول على المعدات الأساسية لإطلاق مشروعه.
ويتفق محمد مع عبد الله صديقه في المهنة، أن المقهى المتنقل يخضع في جانب بناء قاعدة مخلصة من الزبائن، لنفس المبدأ في المقاهي العادية، وهو ضرورة الإهتمام بالزبون والمعاملة الحسنة، ويرى أن التعامل الحسن خلق لديه زبناء، يختلفون في الأعمار والأذواق، لكنهم يتفقون في أنهم يرجعون للبحث عنه كل مرة. ويتفق الزميلان عبد الله و محمد، أن مشروع المقهى المتنقل، يمكنه تحقيق الكفاف لصاحبه، لكنه لا يعد بالأرباح الخيالية كما يصور البعض.
تابعنا مسارنا و توقفنا قليلاً أمام مقهى متنقل آخر بين سيدي البرنوصي و عين حرودة و بالضبط أمام مقاولة الهشاني بالكلم 15 ، لخوض تجربة يعشقها المغاربة وربما العالم بأسره يعشق فنجان قهوة أو كأس شاي أو أي مشروب آخر وهو على سفر، تلك نشوة أخرى أن يرشف المرء من كأس، يعلم أنه سيغادر مكانه بعد حين.
تلك الوقفة كان فيها حديث قصير مع صاحب المقهى المتنقل إبراهيم صاحب 34 سنة، و الذي لم يقل ما إذا كان مهنياً من محترفي العمل في المقاهي أم لا، لكنه اكتفى بالقول إنه عاد إلى الحياة من جديد من خلال هذا المشروع البسيط،فإتقانه لحرفته وكيفية عصر القهوة وتعامله مع الآلة، يشير رأساً إلى أن الرجل له خبرة في الميدان، قد يكون نادلاً سابقاً ، وقد يكون صاحب مقهى، وقد يكون مجرد راغب في الخروج من عنق زجاجة الأزمة إلى رحابة كسب لقمة العيش.
بالنسبة لهذا الرجل، فإن الفكرة راودته من خلال ما سمعه عن مقهى مماثل من طرف بعض الشباب حيث بادروا إلى ابتكار الأساليب لكسب رزقهم، و واصلوا حياتهم دون شكوى أو أنين، لأنهم يؤمنون بأن الرجل عليه أن يكسب رزق أبنائه بالحلال وأن يقاوم كل العراقيل الحياتية.
وحسب ما أكده الرجل، فإن المقهى المتنقل أنقذه من أزمة خانقة عاشها سابقا ، وقال إنه تنفس الصعداء بعد أن تمكن من كسب لقمة عيش عائلته وتوفير الأساسيات وفي بعض الأحيان أكثر.
وفي ظل تنامي ظاهرة انتشار المقاهي المتنقلة هنا وهناك، فإن عبد الله يعتبر هذا المشروع مجرد حل مؤقت تدفع إليه ضرورة لها إكراهات وتحديات بحكم تكاليفه الباهظة، وينصح الشباب بالبحث ما أمكن عن مشاريع أخرى، دون الإلتفات إلى من يعدونهم بالربح السريع من وراء المقهى المتنقل، داعيا السلطات المسؤولة إلى فتح قنوات للمساعدة في تنظيم المقاهي المتنقلة قبل دخولها في العشوائية والفوضى، فيما يرى محمد أن من حق أي شخص أن يجرب حظه في المشروع، لكنه يحذر من تكاليفه الباهظة التي لا يقدر عليها -حاليا- إلا من أسماهم “صحاب الشكارة”، كما قال إن هؤلاء بدؤوا فعليا في الارتماء على هذا المشروع وبدؤوا في الاستثمار فيه، وفتح عدة مقاهي متنقلة على صعيد المنطقة.
تتعدد تلك الملاحظات والارتسامات التي يمكن لأصحاب المقاهي المتنقلة أن يدلوا بها، سواء في جدواها الاقتصادية، أو في ما يخص الجانب التنظيمي، لكن الأكيد، أن التفكير في ابتكار حلول إيجابية، لدى الشباب يعد بالكثير، وأن لجوء شريحة من المجتمع إلى البحث عن “الرزق الحلال” من خلال مثل هذه المشاريع البسيطة، يضع المؤسسات المعنية، أمام مسؤولية التدخل من أجل دعم مثل هذه المشاريع، ولو من خلال التنظيم والتكوين.
الزبائن من جهتهم، عبّروا عن استحسانهم للفكرة، ورحبوا بمتنفس اقتصادي واجتماعي خاصة للشباب، و أكدوا أن ظاهرة المقاهي المتنقلة هي ظاهرة إيجابية تدخل في إطار التوظيف الذاتي والاستثمار الشخصي، خاصة أن السيارة يمكن أن تصلح لمآرب أخرى غير التنقل، وهاهي اليوم تتحول إلى مقهى متنقل.
لم يكن طريق المقاهي المتنقلة مفروشاً بالورد، فقد انتابته بعض الأشواك، خاصة عندما احتج أرباب المقاهي العادية، وطالبوا بوقف هذه المشاريع بسبب ما اعتبروه «منافسة غير شريفة»، مؤكدين أن مثل هاته المشاريع تدخل في خانة «المنافسة غير المشروعة»، خاصة أن أصحابها لا يؤدون أي ضرائب ولا يصرحون بالمشتغلين معهم عكس مقاولاتهم، وفق تعبيرهم.
رغم ذلك تواصل «المقاهي المتنقلة» تقديم خدماتها المرغوبة للزبائن عابري الطرقات والمسافرين الذين يريدون أن يحضنوا فنجان قهوة أو كأس شاي بين أيديهم وهم في الطريق إلى وجهتهم.
قد تكون المقاهي المتنقلة حديثة العهد في المغرب، لكن بالنسبة للعديد من الدول الأخرى خاصة في أوروبا، فإن الظاهرة قديمة ومنظَّمة، وتتجاوز المقاهي إلى المطاعم المتنقلة أيضاً… ببساطة إنه عصر التنقل والحداثة والسرعة.
إن ظاهرة المقاهي المتنقلة تؤشر على نمط اقتصادي جديد قائم على القرب ، لذا وجب على السلطات تقديم رخص استغلال لهؤلاء ومن ثمة ستتمكن الجماعات الترابية من تحصيل مداخيل إضافية عبر هذه العقود المبرمة بين الطرفين، أما سياسة المطاردة فلن تزيد الأمور إلا تعقيدا، ذلك أن أصحاب هذه المشاريع أصبحوا فئة عريضة، وحاجة مجتمعية ضرورية، ومنهم الكثير من لا يمانع في تسوية وضعيته اتجاه السلطات عن طريق التمكن من رخصة استغلال. فهل تستجيب السلطات لتطلعاتهم؟ أم لها رأي آخر.
