حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

رشيد بوريشة –

لم يعد فقدان ملف طبي أو نسيان تحاليل سابقة مجرد إزعاج بسيط، بل قد يتحول إلى عائق حقيقي أمام تشخيص دقيق أو علاج مناسب. في هذا السياق، يتقدم إلى الواجهة مقترح إحداث بطاقة صحية إلكترونية موحدة تُنهي عهد الوثائق المبعثرة، وتؤسس لمرحلة جديدة في تدبير المسار العلاجي للمواطن المغربي.

الفكرة تقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق الأثر: جمع التاريخ الصحي الكامل لكل مواطن داخل منظومة رقمية واحدة، مؤمنة ومترابطة. عوض تنقل المريض بين مستشفى وآخر حاملاً أوراقًا وتقارير قديمة، يصبح ملفه الطبي متاحًا — بإذنه — بضغطة زر. التحاليل، نتائج الأشعة، العمليات، الأمراض المزمنة، الحساسية الدوائية، الوصفات، بل وحتى اسم الطبيب المعالج… كلها معطيات تُخزن وتُحدّث باستمرار.

رهان المشروع لا يتوقف عند راحة المواطن. فالأطباء بدورهم سيستفيدون من صورة شاملة وفورية عن الحالة الصحية لمريضهم، ما يقلل من الأخطاء الناتجة عن نقص المعلومات، ويجنب تكرار فحوصات مكلفة، ويسرّع اتخاذ القرار الطبي خصوصًا في الحالات الاستعجالية.

أما على المستوى الإداري، فإن التحول من ورقة التغطية الصحية التقليدية إلى نظام رقمي مدمج يمثل خطوة نحو تقليص البيروقراطية. التحقق من الأهلية للتعويض أو الاستفادة من خدمة صحية يمكن أن يتم آنيًا عبر منصة موحدة، دون نسخ أو طوابير أو ملفات ثقيلة.

غير أن المشروع يثير أيضًا أسئلة مشروعة: كيف سيتم ضمان سرية المعطيات؟ من يملك حق الولوج؟ وما هي حدود استعمال البيانات؟ الإجابة تكمن في بناء إطار قانوني صارم، واعتماد تقنيات تشفير متقدمة، وربط الولوج بموافقة المريض وهوية رقمية مؤمنة.

بعيدًا عن الجانب التقني، يحمل المشروع بعدًا استراتيجيًا. فتوفر قاعدة بيانات صحية وطنية — مع احترام مبدأ إخفاء الهوية — سيمكن صناع القرار من فهم أدق لانتشار الأمراض، وتحديد الأولويات الصحية، وتوجيه الموارد بكفاءة أكبر.

الانتقال إلى بطاقة صحية إلكترونية موحدة ليس مجرد تحديث إداري، بل تحول في فلسفة تدبير الصحة: من نظام يعتمد على الورق والذاكرة الفردية، إلى منظومة مبنية على المعلومة الدقيقة والربط الفوري بين مختلف الفاعلين. السؤال اليوم لم يعد هل نحتاج إلى هذه البطاقة، بل كيف ومتى سيتم تنزيلها على أرض الواقع.