حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

 

مصطفى سيتل / ديسبريس

البغاء ظاهرة استيطانية مزمنة عرفتها كل المجتمعات البشرية ،
ويمكن أن نصوره بأنه : قبول لمزاولة علاقة جنسية معينة خارج الإطار الشرعي للزواج في مقابل يعطى أو يطلب . وقدلعب العامل الاقتصادي دورا هاما في مزاولتها خصوصا بسبب الضرورة والفاقة إلى جانب عوامل أخرى نفسية وتربوية، ولقد خضعت لدراسات واسعة ومتخصصة، متنوعة ومتعددة، وباتت تشغل حيزا لا يستهان به من نشاط بعض العلوم الإنسانية وعلم الإجتماع، والقانون الجنائي وعلم الإجرام وعلم النفس وغيرها من العلوم الاجتماعية، بل حتى علم الطب العصبي والنفسي من مستوى الوقاية إلى مستوى الردع والعلاج .

لم يعد البغاء مجرد منكر يعالج فقط بالمواعظ والنصائح والتحذير الأخلاقي والمعنوي والروحي، وإنما أضحى ظاهرة تدرس موضوعيا كبقية الظواهر الاجتماعية من حيث نشأتها وتطورها عبر العصور المختلفة ،إذ
تعد من أقدم الظواهر التي عرفها التاريخ .

ومع العصر الحديث خضعت ظاهرة البغاء للبحث العلمي بعد أن كانت خاضعة من قبل لمقاييس تشريعية بهدف الردع والعقاب، والزجر المعنوي والخلقي والروحي، واتسعت الاجتهادات فيها من تحديد المفاهيم والخصائص، وتصنيف للأنواع، وشرح للعوامل، والأسباب لاكتشاف آلياتها موضوعيا واستخلاص نتائجها.

واما بالنسبة للعلوم التي تصدت لدراسة هذه الظاهرة منها علم الإجرام وهو يحاول شرح أسبابها وتحديد معالمها في إطار الجنوح والانحراف، بينما سوسيولوجيا الإجرام تنبري لتربط هذه الأسباب والعوامل المهيئة لها بإطار أشمل في الشروح وهو بيئة المجتمع وبنياته وتناقضاته، والسيكولوجيا بدورها تتصدى في بعض مناحيها لهذه الظاهرة لتتعرف على آثارها بالنسبة للشخصية ومدى ارتباطها بالنزاعات، والميول وانعكاساتها سواء كتفجير كبتي أو إسقاط للمعاناة، والطب النفسى حاول بدوره أن يسهم في التعرف على مدى علاقة الاضطرابات والأمراض الجنسية والنفسية العصبية بها .

فمن الخطأ الاعتقاد، أمام ظاهرة معقدة تنخر في أجساد المجتمعات وتذيب قيمها ومعنوياتها، بل وتدمر أسسها، وتتغذى في كل يوم بشهوة الاستهلاك وشهيتها مفتوحة بلا حدود……من الخطأ أن تواجه فقط بالنصح، وضرب الأمثلة والمواعظ، أو بالردع والعقاب الجزافي الذي لا يزيد الظاهرة إلا تحصنا ومناعة واحتيالا على وسائله ، وإنما يواجه أيضا بمعطيات العلوم المتخصصة ومناهجها.