عبد العالي مزيوة
تعتبر جهة الشرق من الجهات المغربية الأكثر تهميشا بالمقارنة مع جهات عدة، تعرف دينامية اقتصادية يمكن أن نقول عنها أنها تسير بالنمط ” السريع”، عكس النمط “البطيء” الذي تسير به جهة الشرق، و هذا ما أشار إليه الملك “محمد السادس” في خطاب موجه إلى الأمة بمناسبة الذكرى الواحدة و الستين لثورة الملك والشعب: “ذلك أننا لا نريد مغربا بسرعتين: أغنياء يستفيدون من ثمار النمو و يزدادون غنى، و فقراء خارج مسار التنمية، ويزدادون فقرا وحرمانا”.
إن المتتبع لما يقع بالجهة الشرقية، يفهم معنى أن المغرب يسير بسرعتين، فالثلاثة ملايين نسمة المتوزعة بالجهة، تعاني منذ عقود من هذا الإهمال، رغم الشعارات الداعية إلى نهج سياسة الجهوية المتقدمة و اللاتركيز التي لا تعرف منها الجهة المنسية سوى الإسم.
إن جهة الشرق تحتاج بالفعل إلى إيجاد أوراش سريعة و حقيقية بأبعادها الاقتصادية و الاجتماعية و الإدارية و التنموية، و تجاوز التنمية المؤجلة لعقود، بسبب سوء التدبير و الصراعات السياسوية الفارغة، فلا يعقل أن نعيش عام 2024 في جهة تنعدم فيها سكك القطار و الطريق السيار” ما عدا تلك الرابطة بين وجدة و فاس “، بالإضافة إلى غياب مدارس و معاهد عليا وطنية ، إذا ما استثنينا مدارس تصنف ضمن الدرجة الثانية.
أما جنوب جهة الشرق، فلا يمكن الحديث عن تنمية حقيقة تجنب الساكنة التفكير الدائم في الهجرة نحو الخارج بجميع الطرق الممكنة، حتى أضحت الجهة بيئة طاردة لشبابها، و الزائر لهذا الجزء سيتأكد أنها لا زالت تعيش في سبعينيات القرن الماضي.
و رغم الوعود التي قطعها المسؤولون لطمئنة الساكنة، و المتمثلة في وجود مشاريع قيد الإنجاز بالجهة، لتحريك عجلة التنمية، إلا أن التماطل و التأخير في القيام بها يبقى سيد الموقف، و أبرز هذه المشاريع” ميناء غرب المتوسط بالناظور “، فالمتتبعون للشأن التنموي بالجهة و معهم الساكنة، يُراهنون على ميناء الناظور غرب المتوسطّ، و ذلك لما قد يلعبه من دور كبير في تنمية الجهة، و قد أشار الأستاذ” سفيان بوشكور”، أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق بوجدة، إلى أن ميناء غرب المتوسطّ هو “الحلقة المفقودة” في الدورة الاقتصادية للجهة، مؤكداً أن انطلاق الاستفادة منه سيلغي ما وصفها بـ”العزلة الاقتصادية” للمنطقة، على غرار فك “العزلة الجغرافية”.
و من المتوقع أن يساهم هذا الميناء اذا ما أنجز كما هو مخطط له ، في إعطاء دفعة للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية في المنطقة الشرقية، من خلال تحسين القدرة التنافسية للمنطقة، و تعزيز جاذبية الاستثمارات الوطنية و الدولية، و خلق فرص شغل مباشرة و غير مباشرة.
و على خطى ميناء طنجة المتوسط، يسعى ميناء الناظور غرب المتوسط أن يشكل مجمعا مينائيا و صناعيا متكاملا، إذ أعلنت مجموعة من الشركات رغبتها في الاستثمار بهذا المجمع، و منها من شرعت في تشييد وحداتها الإنتاجية مثل شركة “أليون” المتخصصة في صناعة مروحيات إنتاج الطاقة الريحية.
و حسب الشركة المكلفة بإنحاز هذا الورش، فقد قاربت نسبة تقدّم الأشغال به نسبة مائة في المائة، و يتوقّع أن يتم الشروع في الاستفادة منه ابتداء من النصف الثاني من سنة 2024 أو بداية 2025، للخروج مما تصفها الساكنة بـ”الأزمة الاقتصادية الخانقة”، كما ذكر المسؤول الحكومي”رياض مزور ” وزير الصناعة و التجارة، خلال جلسة الأسئلة الشفهية لسنة 2023، أن تأخير تشغيل الميناء راجع إلى استيراد عدد من الآليات و التكنولوجيا الخاصة بالموانئ، معتبرا أن الميناء سيكون بابا مفتوحا، و سيجعل من الجهة محركا كبيرا للنمو الاقتصادي.
غير أن هذا الميناء لا يمكن أن يساهم لوحده منعزلا في تسريع التنمية بالمنطقة، فعلى غرار الجهات الأخرى المحضوضة ،وجب تشجيع استثمارات بالمدن الشرقية، كل مدينة حسب خصوصيتها، و إنشاء “مناطق حرة ” لجلب مستثمرين في مختلف المجالات.
أضف إلى ذلك، الأهمية التي تلعبها البنية التحتية الممثلة في الطرق السيارة و الخطوط السككية اللازمة، و ربطها بين الناظور و باقي المدن الشرقية، بما في ذلك الجزء الجنوبي من الجهة و الممتد من جرادة إلى إقليم فكيك الحدودي، و ذلك حتى تستفيد الجهة الشرقية من إشعاع هذا الميناء إن تم، و تبعد بالتالي عن الساكنة شبح البطالة و العزلة الاقتصادية القاتلة.
