عبد الصمد صدوق-
لقد كانت أعمال التجارة الأجنبية في فترة ماقبل الاستعمار ، غطاءا سريا لعمليات التجسس التي تستهدف بالخصوص الدول الغنية بالثروات الطبيعية التي تسيل لعاب المستعمرين البريطانيين والفرنسيين و الإسبان وغيرهم ، وتعيش هذه الدول قلاقل سياسية متضاربة وكان من بينها المغرب .
ففي سنة 1836 كان “جورج كلاس” التاجر والعميل السري البريطاني في نفس الآن على موعد مع مهمة غريبة آثارت شكوك المغاربة بخصوص علاقة هذا التاجر ، الذي كان غرضه أن يربط علاقات مع رجال نافذين في مجال السياسة ؛ وقد أتى قبله عميل سري يدعى “دافيدسون” وكان يروج لتأسيس مشاريع تجارية على السواحل المتوسطية.
في ذلك الحين كانت القوة العسكرية البحرية في بريطانيا تشن هجمات حربية على آسيا ، وتوسع مجال مستعمراتها على حساب دول أخرى ، لكن السواحل المغربية وقتها كانت تحت لواء الإسبان و البرتغال ، وبدت تحركات البريطانيان في سياقها الصحيح منذ البداية ، حين لم تنطل الخدعة على أغلب التجار المغاربة الذين سعوا الأجنبيان في نسج علاقات تجارية معهم في الظاهر بهدف استيقاء معلومات سرية حول أرائهم في الحكم السياسي السائد آنذاك.
إذا كانت محاولة الجاسوسان البريطانيان فاشلة في التمويه على كونهم تجارا بهدف الوصول إلى ماكانوا يطمحون إليه ، فإن جواسيس آخرين وفدوا الى المغرب بصفتهم تجار متنكرين واستطاعوا النفاذ إلى عمق المغرب ، حيث خالطوا التجار المغاربة و الرجال الأعيان منهم ، بعضهم دوّن ماكان دائرا بينهم من أخبار في مجالسهم ؛ مايعد تقريرا سريا في ذلك الوقت.
وكان يتضح جليا مساعي هؤلاء التجار المفترضون ، من خلال النهج الاستخباراتي ، الذي كان متبعا وأصبح يركز أساسا على تقصي أخبار الرأي العام و السباق نحو الحكم في المغرب ، ومعرفة اسباب الخلافات الحادة و القائمة بين أبناء “المولى الحسن” ، ومما لاشك فيه فقد وفرت لهم هذه العملية أسرارا كثيرة عما يروج في كواليس النظام المغربي وقتئذ ، حيث أن رأي الأغلبية الصامتة وهو بالضبط ما كان يدخل في دائرة اهتمام البريطانيين و الفرنسيين أيضا قبل فرض الحماية على المغرب من طرف فرنسا التي حظيت في النهاية ببسط سيطرتها ونفوذها على مختلف أقاليم البلاد ، وينذر حينها وجود الجواسيس البريطانيين على أرض المغرب.
