حين تُختَبَر الدول… يظهر معدنها الحقيقي

حين تُختَبَر الدول… يظهر معدنها الحقيقي

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

بوشعيب هارة 

يشهد المغرب، منذ أكثر من شهر ونصف، تساقطات مطرية قياسية، تسببت في فيضانات واسعة صُنِّفت ضمن أعنف الفيضانات التي عرفتها القارة الإفريقية. غير أن السلطات المغربية فاجأت العالم، وأثبتت أن الأزمات لا تُدار بالشعارات ولا بالكلام، بل بالفعل الميداني السريع والحاسم.

وقد تجلّى ذلك بوضوح من خلال إجلاء أكثر من 150 ألف مواطن في ظروف بالغة التعقيد، وإخلاء مدن كاملة في زمن قياسي، وإنشاء مراكز إيواء كبرى في أقل من 24 ساعة، إلى جانب تدخلات طبية جوية بواسطة المروحيات، وتوفير مطابخ ومخابز متنقلة لضمان الغذاء للمتضررين، وتسخير مختلف وسائل الإنقاذ المتطورة من طائرات ومروحيات وقوارب وشاحنات ومدرعات ودراجات مائية.

نحن نواجه أزماتنا بسواعد رجالنا، ويقظة مؤسساتنا، وتماسك دولتنا. إنها المملكة المغربية الحديثة: دولة تُجيد الوقوف عند الشدائد، وشعب يتحمّل المسؤولية، وتلاحم يُدرَّس ولا يُشرَح. ففي المحن تُعرَف المعادن، وفي الأزمات تتجلّى حقيقة الشعوب.

حين فاض الماء لم نغرق، بل تماسكنا فارتفعنا. ابتلّت الثياب ونجت الأرواح، وظهر المغرب معدنًا صلبًا لا يُكسَر ولا يُهان. في القصر الكبير، وطنجة، وتاونات، وغيرها من المدن المتضررة، لم يكن المشهد فيضانات فقط، بل امتحان نخوة نجح فيه الجميع: شباب على “الجيتسكي” و”الكاياك”، شاحنات وجرارات، مواطنون وأمن ووقاية مدنية وإسعاف… الكل اسم واحد: المغرب.

لا رُتب تُفرق ولا صفات تُعلي، بل شهامة تسبق الماء وتطارد الخطر. عجوز تُقبّل رأس شاب كأنها تُقلّده وسام التاريخ، وشاب يردّ القبلة اعتذارًا للأرض ووعدًا بأن الكرامة لا تغرق.

هنا لا ضحية ولا بطل منفرد، هنا شعب إذا اشتدت المحنة اشتدّ تلاحمه، وإذا فاض الوادي فاضت معادنه. لسنا دولة ومواطنين، بل عائلة واحدة، نمسك بعضنا من القلب قبل اليد. وهذا هو المعنى الحقيقي لـ“خاوة خاوة” حين تُكتب بالفعل لا بالشعار، وتُثبت في الشدة لا في الكلام. فمن يتقاسم الخبز في الرخاء، يتقاسم النجاة في البلاء.

عبر التاريخ، كلما نزلت بالمغاربة محنة، إلا ووجدتهم صفًا واحدًا، يتقاسمون الألم قبل الأمل، ويقفون إلى جانب بعضهم دون انتظار مقابل.

حفروا الجبل بقلوبهم قبل أياديهم من أجل الطفل ريان، رحمه الله، في مشهد إنساني هزّ الضمائر، وأكد أن التضامن عند المغاربة ليس شعارًا عابرًا، بل سلوك متجذر. ثم جاءت فاجعة الزلزال، فتوحّدت القلوب، وتضافرت الجهود، وامتدت الأيادي من كل حدب وصوب لإغاثة المتضررين، فكان الشعب يدًا واحدة، يتقاسم الخبز والمأوى والدعاء.

واليوم، أمام محنة الفيضانات، تعود الروح نفسها: روح التعاون والتكافل، لنقف من جديد مع أهلنا المتضررين، نُؤويهم، ونساندهم، ونخفف معاناتهم، كلٌّ بما يستطيع، لأن الأوطان لا تُبنى إلا بتلاحم أبنائها.

فلنكن كما عهدنا أنفسنا دائمًا: يدًا واحدة في وجه المحن، وقلبًا واحدًا في أوقات الشدة، وشعبًا لا تكسره الأزمات، بل تزيده قوة وتماسكا.

وقد بدأت بعض الجهات الدولية تقارن المغرب بدول متقدمة، بل وأبرزت تفوق الكفاءات المغربية وخبرة أجهزتها في التدبير المحكم لأزمة الفيضانات، من إجلاء المدن، ونصب الملاجئ، وإنقاذ المواطنين والمواشي وحتى الحيوانات الأليفة، دون أي مساعدة أجنبية، في إطار مبدأ التدبير الذاتي للأزمات (Self-management)، وبالدارجة المغربية: قادّين براسنا وما محتاجين حد.

شكرًا لدولتنا العميقة،

شكرًا لملكنا نصره الله،

شكرًا لأجهزتنا العسكرية والأمنية التي تعمل في صمت دون بهرجة.

عاشت الدولة المغربية،

عاش الشعب المغربي،

عاشت الأسرة الملكية،

عاشت القوات المسلحة،

وعاش التآزر والالتحام الوطني.