حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

 

أبو رضى –
في زمنٍ يشتد فيه الخناق الاقتصادي على الدولة، وتعلو فيه أصوات المواطنين المطالِبة بالإنصاف وتقليص الفوارق، يعود إلى الواجهة ملفّ تقاعد البرلمانيين والوزراء، كجرحٍ مفتوحٍ في جسد العدالة الاجتماعية بالمغرب.
ملفٌّ ظلّ يُؤجَّل، ويُدار بالمسكنات، لكنه اليوم يعود أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، مع تصاعد الغلاء واحتدام الأزمات الاجتماعية والمالية التي تُرهق المواطن البسيط.
منطقيًا، لا يُعتبر البرلماني موظفًا لدى الدولة، ولا الأجر الذي يتقاضاه راتبًا تقاعديًا مستحقًا بعد نهاية الولاية. فعضوية البرلمان هي تكليف مؤقت لخدمة الوطن، وليست مهنة دائمة أو مصدر رزقٍ مضمون مدى الحياة.
غير أن ما جرى ترسيخه في الممارسة السياسية منذ عقود خلق صورة مشوَّشة للمسؤولية العمومية، حتى بات بعض المنتخبين يعتبرون الكرسي التشريعي أو الوزاري سُلَّمًا للامتيازات بدل أن يكون منصةً لخدمة الصالح العام.
في الوقت الذي تئن فيه ميزانية الدولة تحت وطأة الديون وتحديات التمويل، لا يزال صرف معاشات شهرية لفائدة الوزراء والبرلمانيين يثير غضب الشارع وتساؤلاته.
كيف يُعقل أن تستمر الدولة في أداء معاشات “ترفٍ سياسي”، بينما تواجه آلاف الأسر صعوبة في توفير العلاج لأبنائها أو أداء أقساط التعليم؟
كيف يمكن إقناع المواطن البسيط بالتقشف والجباية، فيما تُصرف رواتب تقاعدية لمن غادروا المسؤولية منذ سنوات؟
القضية لا تتعلق بالأرقام فحسب، بل بما ترمز إليه.
فحتى إن كانت كلفة هذه المعاشات محدودة في الموازنة العامة، فإنها تحمل وزنًا رمزيًا ثقيلًا في وعي المغاربة، إذ تُجسّد الفجوة بين من يحكم ومن يُحكَم، بين من يُطالَب بالصبر ومن يعيش في رفاه الاستثناء.
ولذلك، فإن إصلاح هذا الملف ليس مجرد خيار إداري، بل اختبار حقيقي لمدى صدق الدولة في تنزيل مبادئ الدستور، الذي جعل ربط المسؤولية بالمحاسبة قاعدة لا استثناء فيها.
إن المغرب، وهو يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، بحاجة إلى قرارات رمزية جريئة تعيد الثقة إلى المواطن وتؤكد أن التضحية تبدأ من القمة.
فإلغاء تقاعد البرلمانيين والوزراء ليس قرارًا مالياً بقدر ما هو رسالة سياسية وأخلاقية:
أن من يختار خدمة الوطن يجب أن يفعل ذلك بضمير وواجب، لا طمعًا في معاش أو امتياز.
الوطن لا يُبنى بالامتيازات، بل بالقدوة. وحين يقتنع المسؤول أن “المنصب تكليف لا تشريف”، يكون المغرب قد خطا خطوة حقيقية نحو عدالة جديدة وثقة مستعادة.