علي نبلي –
أثارت مقالات نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية، مؤخراً، موجة استياء واسعة في الأوساط المغربية، بعد أن تناولت المؤسسة الملكية بمنطق لا يخلو من الإسقاط الثقافي والأحكام الجاهزة. هذه المقالات، وإن ادّعت التحليل، فقد خلطت بين التقييم الصحفي والرؤية الأيديولوجية، وتجاهلت الخصوصية التاريخية والسياسية التي تحكم علاقة المغاربة بمؤسستهم الملكية.
إن النظر إلى الملكية المغربية من زاوية فرنسية محضة، تختزلها في كونها “نظاماً تقليدياً”، يتنافى مع قيم الجمهورية، يعكس ضيقاً في الأفق التحليلي وعجزاً عن إدراك أن النماذج السياسية لا يمكن نسخها ولصقها من سياق إلى آخر. فالمؤسسة الملكية في المغرب ليست مجرد بنية سلطوية، بل هي ركيزة لهوية جماعية، وضمانة لوحدة وطنية، واستمرارية تاريخية، لعبت أدواراً حاسمة في مواجهة الاستعمار، وحفظ التوازن في مراحل الاضطراب، وقيادة إصلاحات كبرى في محطات دقيقة من تاريخ البلاد.
وإذا كان من الطبيعي أن تعبّر الصحافة الفرنسية عن وجهات نظر مختلفة، فإنه من غير المقبول أن تُقدّم تلك المواقف في غياب أدنى فهم معمّق للسياق المغربي. فالمقالات المذكورة افتقرت إلى التخصص، وجاءت سطحية في قراءتها للواقع السياسي، مما يعكس غياب صحفيين متمكنين في الشأن المغاربي، قادرين على تجاوز القوالب النمطية واستحضار تعقيدات المشهد المحلي.
ويزداد هذا الخلل فداحة في ظل ضعف التواصل الرسمي مع الصحافة الدولية، الأمر الذي يترك فراغاً تُملؤه تأويلات خارجية، تكون في كثير من الأحيان موجّهة، إن لم تكن خاضعة لأجندات سياسية غير معلنة. وهنا تكمن الحاجة الماسّة إلى ديبلوماسية إعلامية ذكية، لا تكتفي بالردّ، بل تستبق وتشرح وتقدّم روايتها للعالم بثقة واحتراف.
في المقابل، يطرح هذا الجدل سؤالاً مؤرقاً: لماذا تظل الصحافة المغربية عاجزة عن الخوض في قضايا السيادة والسلطة بنفس العمق الذي تتناوله به الصحافة الأجنبية؟ أليست هذه القضايا من صميم النقاش العام الذي يُفترض أن تسهم فيه الصحافة الوطنية بما تملك من أدوات التحليل والتقويم؟ إن استمرار التردّد في الاقتراب من هذه المواضيع، تحت طائلة “المحظورات”، لن يؤدي إلا إلى تفويض مهمة التحليل إلى الخارج، بما يحمله ذلك من مخاطر على صورة البلاد ومؤسساتها.
ويبقى الاحتمال قائماً، في هذا السياق، بأن بعض المواد التي تنشرها الصحافة الأجنبية لا تأتي دوماً من فراغ معرفي، بل قد تكون مُسرّبة بشكل انتقائي من أطراف داخلية لها مصالح ظرفية، تُفضل أن تُقال بعض الأشياء في الخارج، كي لا تُقال في الداخل. وهو تكتيك معروف في ما يُعرف بـ”حروب التأثير”، حيث تتحول الصحافة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.
أمام هذا الواقع، يبدو من الضروري التأكيد أن الملك محمد السادس لا يمثل فقط رأس الدولة، بل يجسد رمز الاستمرارية الوطنية ومفتاح التوازن المؤسساتي. وقد أدار ملفات الإصلاح، داخلياً وخارجياً، برؤيةٍ متدرجة تتفادى الهزّات وتُراكم المكاسب، رغم كل التحديات البنيوية والضغوط الظرفية. إن إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، كما تشي بها خطابات الملك ومشاريعه الإصلاحية، لا يمكن قراءتها بعين فرنسية لا ترى في الملكية سوى سلطة تقليدية، بل يجب أن تُفهم ضمن المسار التاريخي المغربي، الذي لا يزال يبتكر طريقه الخاص في التحديث.
إن الدفاع عن صورة الملكية لا يجب أن يكون انفعالياً، بل مبنياً على تفكيك الروايات المغلوطة، وإنتاج سردية وطنية قادرة على الإقناع، لا على التبرير. فحين يكون الصمت هو الجواب، تصرخ الأقلام الأجنبية بما تشاء.
