حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

 

– الحبيب ثابت

في أيام الطفولة، كان الدوار بالنسبة لنا أكثر من مجرد تجمع سكاني صغير. كان عالماً قائماً بذاته، مجتمعاً قائماً على الاحترام المتبادل والمودة الصادقة. كنا نعيش كعائلة واحدة، حيث الرجال آباءٌ لكل الأطفال، والنساء أمهاتٌ لكل الصغار. لم يكن الانتماء مجرد كلمة، بل كان سلوكاً يومياً تجسده نظرات العطف، وكلمات النصح، وأحياناً القسوة الضرورية من أجل التربية.

في ذلك الزمن، لم يكن مستغرباً أن يوبخك أحد الكبار إن ضبطك في موقف لا يليق، أو رأى في سلوكك انحرافاً عن القيم. التأنيب كان قاسياً أحياناً، لكنه نابع من حرص صادق. الجميع كان يربي، والجميع كان مسؤولاً. وفي الأعراس والمناسبات، كان الحضور واجباً غير مكتوب، لا يحتاج لدعوة. كان يكفي أنك من أهل الدوار.

لكن الزمن لا يثبت على حال. مرت سنوات، غادرنا فيها دوارنا، بدايةً بحثاً عن العلم، ثم سعياً وراء لقمة العيش. غير أننا لم نغادره من قلوبنا. ظل الحنين مشتعلاً، يراودنا في لحظات الهدوء وأوقات الشدة. فقررنا العودة، لا كزوار بل كفاعلين. بذلنا الغالي والنفيس لنُعيد بناء ما اندثر: حفرنا الآبار، عبدنا الطرق، شيدنا بيوتاً وربطناها بالكهرباء. حلمنا بمجتمعنا القديم، ذاك الذي عرفنا فيه معنى الانتماء.

لكن الواقع خالف التوقعات. لم نجد ذات الوجوه التي استقبلتنا يوماً بابتسامة الأبوة. اليوم، تقابلنا نظرات الشك والريبة. منهم من ضايقنا عمداً، ومنهم من قطع الطريق في وجهنا. وكأننا دخلاء على أرض حلمنا بالعودة إليها. بدا واضحاً أننا لم نعد جزءاً من نسيج الجماعة، مهما فعلنا.

ذكّرني هذا الموقف بقصة رمزية قرأتها يوماً: شاب بدوي سافر سنوات طويلة لتحصيل العلم، حتى نال شهادة عليا في الفلسفة. وعندما عاد إلى قريته، وجد أن أهلها قد تغيروا. بدا له الجميع مخبولين، وعندما سأل عن السبب، قيل له إنهم شربوا جميعاً من بئر واحدة. هو وحده المختلف. فكان عليه أن يختار: هل يعود أدراجه، أم يشرب من ذات البئر ليصير مثلهم؟

ربما يكون هذا حالنا اليوم. نحن الذين اخترنا طريقاً مختلفاً، عدنا لنجد أن الجماعة تغيرت، أو ربما نحن من تغيّرنا. السؤال المؤلم يطرح نفسه: هل نتشبث بما نحن عليه ونعزل أنفسنا؟ أم نذوب في الجماعة وننضم إليهم كما هم؟

بالنسبة لي، لم يعد بإمكاني الرجوع إلى ما كنت عليه، ولا أظنني أستطيع مقاومة العزلة إلى الأبد. ربما سأشرب من نفس البئر، رغم كل شيء، لأن العيش خارج الجماعة… أقسى بكثير.