حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

بوشعيب هارة

في العدد تسمى سنة، وفي القلب هي بضعة أيام.. نعم مرَّت سنة على وفاة أمي الغالية، و لكنها في نظري أيام معدودة.. مازلت أتذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله المؤلمة و كأنه حدث منذ ساعات قليلة.

في مثل هذا اليوم لقيت أمي رحمها الله بارئها، و ها هي تمر الأيام و تأتي ذكرى وفاتها الأولى، كالشمس التي انطفأت لكن بقيت سيرتها الطيبة و عملها الصالح و جهودها في تربيتنا، فقد كانت – رحمها الله – شمسا و نورا في حياتنا و في حياة كل من يحبها و يعرفها.

ترى ماذا أكتب؟.. و كيف أبدأ؟.. تاهت أفكاري، و هربت مني أحرفي، ماذا أكتب و كلماتي تنزف دماً، و عيوني تذرف دمعاً.. و كل ما أعرفه أن أيامي ترغمني على تجرع كأس الحزن فتأسرني و تقذف بي في بحر عميق لا قرار له.. أمي.. ما زال القلب ينزف دماً لفراقك، و الجرح يكبر كلما تذكرتك.

سنة كاملة يا أمى و صوتك و دعواتك و ابتسامتك لم تفارق حياتي لا يقظة و لا مناما، فلم لا و أنتِ الأم الحنونة و المعلمة الجادة و المربية المخلصة و المتحدثة الصادقة، و أنتِ من جعلتِ لحياتنا معنى، و أضأتٍ لنا الطريق، و انحنت قامتك لنعدل نحن قامتنا.

أمي الحبيبة.. رغم فراقك عني إلا انك بداخلي.. لن أنسى دعمك لي في كل خطوة في حياتي.. رحلت و تركت لي ذكرى لن أنساها، فهي في مخيِلتي ما زالت حية، و لا يزال رحيلها فاجعة لي..

أسكنت الألم داخلي و لا زالت دموعي تنهمر في كل يوم يأتي بدونك أمي..ستبقين  كل شيء في حياتي.. كنت شمعة البيت و أطيب قلب، كانت دعواتك باستمرار  منار طريقي.

أمي….ستبقين في عقلي و قلبي و لن أنساك، فبرحيلك غادرني الفرح ؛ ذهبت و ذهب كل شيء جميل معك، و بقيت كلماتك محفورة في قلبي.
و ما يصبرنى على فقدكِ يا أمي  سيرتك العطرة و مسيرتك الطاهرة، و رحلة حياتك المليئة بالحب و العطاء، و شهادة القاصى لكِ و الدانى بصلاح الحال و حُسن الخاتمة، لكن دعينى أحدثك يا أمى عما يدور فى خلجات قلبى، فوالله كل ما أشتهيه هو لقمة طعام طيبة من بين يديكِ، أو كسرة خبز من خبزك التي كنت تصنعيه لنا، أو ضمّة حُضن لكِ، أو جلسة تجمعنا أحدثكِ و تحدثيني، و أخبركِ و تخبرينى عن كل القصص و الحكايات و المواقف، كما كُنا نفعل و أنا أمتطى حجرِك الطاهر و يدك على رأسى نحكى و نسهر و نسعد، لكن هكذا تكون سُنة الله في خلقه، لا قدرة لنا و لا حيلة، إلا دعاءٍ أو ذكرا.

ها هي سنة مضت من عمري، و لكنها ليست كبقية السنوات، هي أيام عمري ترحل عني لتتركني بقايا إنسان، و الشهور تتسابق لتغادرني، تتقاذفها الأقدار.. و يقسو عليها الزمان.

منذ سنة دوت صرخة صامتة، مزقت قلبي.. و نزف دمي، و صارت الدنيا من حولي فضاء من ألم.. منذ سنة علمت معنى أن تموت الحياة، وعلمت معنى أن نحيا بلا حياة، سنة و أنا أضعف شوقاً و حسرة، و أبكي وحيدا بصمت، أبكي لفراق أغلى و أعز و أحن إنسان، مَن لا يبكي أمه، كيف لا أبكيها وهي أمي ثم أمي ثم أمي..كيف لا أبكيها وقد كانت نبراسا ينير طريقي.

كيف لا أبكيها وهي من علمتني سر الإنسانية الأصيل، و كيف لا…. وهي من أرضعتني مع حليبها الصبر و العطف و الحنان، و قد كانت لي سندا و حاجزاً يقف أمام انهيار نفسي، ببسمتك ألجأ إليك عند ضيقي، أسمع دعوتك الصادقة لي، و كل يوم يمر أجد نفسي أقرب و أقرب إليك.. أمي القامة الشامخة، الكبرياء، الصبر، الحب الإيثار …أمي أم الكرم، أم الوفاء، أم الأمانه و الدين, أم الطهارة و الشرف..

كانت أمي بابا للحنان و نافذة للبهجة و ممرا آمنا للسكينة.. كانت بيتا و بستانا وسحابة فرح في ليالي الحزينة.. كانت نهرا فياضا علمني أن أحب بلا حدود، و أن أعطي دون انتظار المقابل..

كانت القلب الحنون المفعم بالعطاء و المحبة للآخرين و الصدق مع الله عز و جل، كانت مثالاً للتضحية و الإيمان و التسامح و الإيثار…
فهنيئًا لكِ يا من أخرج الله منك أرواحًا تذكره، وشكرًا على تعبك معنا و حُبك لنا، وسيرتك التي نتشرف بها أمام و وسط خلقه، و جزاكِ الله من فضله و كرمه، و أسكنك الفردوس الأعلى بإذنه جل وعلا..

رحلت يا أماه و نفسك مطمئنة راضية بقضاء الله و قدره، مرضية إن شاء الله، فلقد أديت رسالتك على أكمل وجه دون أي تقصير.. فنامي يا أماه في سلام على الأرائك بإذن الله و وداعاً أمي يا أغلى البشر.

سأبقى  أدعو لك يا أمي في كل وقت صباحا و مساء…
اللهم اغفر لأمي و اشملها بلطفك، و اعف عنها و افتح لها أبواب رحمتك.. اللهم إن مغفرتك أكبر من ذنوبها، ورحمتك أوسع لها من عملها، فاغفر لها و ارحمها، و اعف عنها، و وسع مدخلها و أكرم نزلها.. اللهم وسع لها في قبرها و مد لها فيه مد بصرها ,و أفرشه لها من فراش الجنة.. اللهم أنزل على قبرها نورا من نورك، و أنزل على روحها نفحة من رحمتك يا أرحم الراحمين .