حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

بقلم : بوشعيب هارة

اليتم ليس كلمة نأخذ تعريفها من المعجم اللغوي، و إنما نجدها في عيون الفاقدين لعزيز لهم،  في كسرة خاطرهم، في شرود حضورهم، في انخفاض نبرة أصواتهم…

لا خلاف حول تعريف (اليتيم) في اللغة، لكنني أستطيع البوح بأن من لم يذق حرقة ألم الفراق الذي لا عودة بعده، فراق لا اتصال و لا كلام و لا جواب، لن يشعر بما تدل عليه خشونة أحرف (اليتم)، فكيف بمشاعره و أحزانه و قلقه و خوفه.

إن الفقد ألم لا أستطيع تحديد ماهيته أو مكانه، ألم حقيقي في الحلق لدرجة الاختناق وحشرجة الروح، انعدام للتوازن و القدرة على الرؤية، عدم السيطرة على انسكاب الدموع، على التحكم في الجوارح، إنه ألم لن يشعر به إلا من ذاقه.

فليس اليتيم من فقد أحد والديه فقط، بل اليتيم أيضا من فقد حب وطنه في قلبه… من فقد وطنه الأم، هذا الوطن الذي تعددت فيه أصناف اليتم كل يلبس حسب مقاسه.

فهذا طفل يتيم لأنه محروم من مدرسة محترمة يتعلم فيها… يقطع كيلومترات ليصل منهك القوى إلى شبه قسم، يحارب فيه أمية الأبجدية، يكاد لا يفقه من قول المعلم حرفا… و هو سارح بتفكيره في مشاق طريق العودة، إلى بيته الطيني في قمة الجبل، في الضفة الأخرى…

و هذا طفل يتيم محروم من بيت يحضنه، يستره… يتخذ من الشارع ملاذا، يلتحف الفضاء ويفترش الأرض… يعيش مشردا فيها، يقتات بدريهمات كسبها تسولا أو سرقة، لأن والديه المستضعفين لم يستطيعا توفير لقمة عيش له تدفئ جوفه، طفل مصيره إما مغتصب من طرف النفوس الدنيئة و الخبيثة، أو مدمن للمخدرات الصلبة..

و يتيم آخر محروم من فضاءات اللعب و اللهو و التسلية… يفتقد لمراكز و نوادي لصقل موهبته المتفجرة… فكيف للمسكين أن يدفع ثمن ملاعب باهظة، و هو الذي لا يعرف من الأكل سوى خبز جاف وكأس شاي؟

و بجانبه طفل آخر محروم من حقه في الإسعاف و التطبيب… يقطع مسافات طوال ليصل مستوصفا كأنه مستودع أموات… النظرة فيه تدمي القلب… رائحته تزكم الأنوف… مستوصف ليس له من الأجهزة و المعدات و الطاقات البشرية، سوى الاسم في أعلى البناية…

كم أنت يتيم يا وطني…عجوز يحتضر… يسيرك سارقون  لخيراتك… و يلفك ناهبون يستنزفون ثرواتك الكثيرة …فما يحتاجه أطفالنا يا وطني، ليس دواء للعلاج بل وقاية لتجنب المرض… و ليس دراجة للوصول إلى المدرسة، بل مدرسة قريبة من البيت… فيكفينا ضحكا على الذقون… و مشاريع لا تغني و لا تسمن من جوع..