بقلم : فاطمة حطيب
هل العيب فينا أم في زماننا؟ سؤال بات يجري على لسان الكثيرين، غير أن الزمن مبرأ من كل عيب، و نحن نجني حصاد ما أحدثناه في هذا الزمن.
قد يبدو الأمر هينا لو كان المُحْدِث فردا بسيطا سادجا غِرّا، إنما الوضع يختلف عندما يتفاجأ هذا الزمن بأن من أوكلت إليهم أمور الناس، خذلوا ثقة هؤلاء فيهم.
بالأمس سمعنا بقصة الشرطية المغربية التي تداولت أشرطة فيديو وصلات من رقصها و هي ترتدي الزي الرسمي، مما أقام نشطاء التواصل الاجتماعي و لم يقعدهم. و قبلها ظهر عقيد سوداني على نفس المواقع، و هو يرقص كذلك بزيه العسكري وسط حشد من الجنود، مما هيج أنفة و غيرة العديد من رواد هذه المواقع.
و الحوادث من هذا القبيل و غيره عديدة، غير أن اللافت هذه الأيام ما وقع بالحرم الجامعي بآسفي، حيث أظهر فيديو مسرب على وسائل التواصل الاجتماعي عميدة الكلية و هي ترقص في إطار حفل، على أنغام الموسيقى الشعبية بأحد مدرجات الجامعة، رفقة موظفين تابعين لنفس الكلية.
الحدث أثار استنكارا طلابيا، اعتبر أن الحفل على هذا النحو، لا يليق بهيبة حرم جامعي يعد رافدا للعلم و العرفان، و أن هذا السلوك المشين في هذا المعقل العلمي، هو نتاج الحالة المزرية التي أضحت عليها النفوس من قبول التجاوزات البعيدة عن كل تحصيل علمي.
صحيح أنه إذا أوكلت الأمور لغير أهلها، فانتظر قيام الساعة. الحرم الجامعي مكان مقدس يطلب فيه العلم، و العلم عبادة، فكيف يعقل أن يدنس هذا المكان بسلوكيات التهتك و التميع و التكسر، صادرة عمن هي القدوة و الرمزية.
ما قامت به العميدة تحد غريب، أو ربما جهل لقانون تنظيم الجامعات، الذي يشترط حسن السمعة و السلوك، و التنزه عن كل خوارم المروءة، غير أنه لا يدخل في باب الحرية الشخصية الذي قد يُحتمى به، على اعتبار أن الحرية الشخصية تبقى رهينة بالخصوصية و لا تُفرض في العلن، إذ لو كانت رقصت خارج الفضاء الجامعي ببيتها مثلا أو غيره، فلا يحق لأحد لومها، بل القانون يجرم حينها من يقتحم عليها خلوتها من دون علمها أو موافقتها، و يسرب صورا تخصها في هذه الحالة، عبر وسائط التواصل الاجتماعي، أمَا و أن العرض كان علنيا، فالأمر هنا يجب أن يأخذ منحى آخر.
فوضعها الوظيفي و تاريخها العلمي، من باب أولى أن يضعاها تحت طائلة المسائلة، خاصة أن القانون ينص على واجبات تفرض على العضو في هيئة التدريس احترامها و الالتزام بها، إذ في حال الإخلال بها أو ببعضها، فإن هناك محاكمة خاصة بهذه النوازل، و يتعلق الأمر بمجلس التأديب و ما يترتب عنه.
الأمر هنا يستدعي وقفة تأمل، ما الذي حدث لينقلب ميزان القيم فتمشي على رأسها، و لتنحرف طبيعة البشر على هذا النحو، فيسبح عكس اتجاه فطرته ، أهو الجهل أم التجاهل، أم تغييب الأخلاق و التنكر لضوابط الدين في ظل مغريات الذكاء الاصطناعي، و أن المصيبة إذا عمت هانت؟
صحيح أن فاقد الشيء لا يعطيه، و لو وصل إلى أعلى مراتب العلم و هو مفتقد للأخلاق و التربية، فتوقع منه أي شيء و في الأمثال: ” إذا رأيت الأب يضرب على الدف، فلا تلومن الأبناء حال الرقص”، و أن “الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”.

واقعة الرقص في الحرم الجامعي هاته، أصابت هيبة العلم في مقتل، و مرغت أنفه في التراب، لذا يجب الضرب بيد من حديد على مثل هذه السلوكات المنحرفة، حتى لا تصبح عادة و فعلا مألوفين، يتبلد معهما الإحساس، و تموت النخوة، و تُغتال الكرامة، و توأد إنسانية الإنسان، فتستسيغ يوما و تتساهل مع قيام وصلات غناء و رقص من داخل المساجد، حيث يتجرأ المغني من خلال فيديوهات معروضة على الوسائط الاجتماعية، على أن يصدح بالمواويل مصحوبة بالرقص من داخل مقصورة الإمام، أو من فوق منبر الخطيب.
و قد بدأت إرهاصات تطالعنا و للأسف عبر التيك توك، لفديوهات تعرض مشاهد تخدش الروح و تدمي القلب، موضوعها مظاهر شاذة تمتزج فيها مقاطع موسيقية بآيات قرآنية مع التغني بالقرآن، إلى جانب مصاحبة القرآن برقص خليع، و هو ما يضع صناع هذه المحتويات في خانة من صدق في حقهم المثل القائل: “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”!
