حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

بقلم : فاطمة حطيب

التسامح لبنة أساسية في بناء القيم، قيم التصالح مع الذات و مع الآخر، في إطار تعايش سلمي، يلغي كل الفوارق و ينبذ كل التعاليات اللونية و الجنسية والعرقية و الدينية و الإثنية، فإلى أي حد يمكن تحقيق هذه المعادلة، بالنظر إلى واقعنا المعيش، و ما الآفاق المستشرفة؟

** واقع يحتاج إلى وقفة

المتأمل لبنيات المجتمعات العربية ، يجد أغلبها متهالكا و مأزوما ، على مختلف المستويات. فنحن اليوم إزاء معضلة ما يسمى بالاحتباس القيمي ، حيث التبعية و المسؤولية ملقاة على عاتق جميع مكونات المجتمع، المؤسساتية و السياسية و المدنية و الاجتماعية، بما في ذلك الأسرة و السلطات العمومية و الأحزاب و المجتمع المدني و المدرسة و الهيآت الدينية، حيث التساهل و التراخي سيد الموقف، و حيث الانسلاخ و التغريب عن الهوية، و حيث النموذج الذي يحتدى به، نموذج مستورد و مهلهل من كل ما هو غربي و عربي، و حيث التناحر و التنافر يسود أفراد الأسرة الواحدة، و حيث التطاحن يسحق الشعوب، لتبقى بعض هذه القنوات، إن لم نقل كلها، مفرغة من القيم الحقيقية.

** كيف السبيل إلى احتواء هذا الوضع ؟

لا ننكر أن هناك نداءات و مبادرات داعية إلى إحداث التغيير، لكن العلة تكمن في الاستجابة ، قلتها أو عدمها، لتبقى المنظمات و الهيئات و الجمعيات، التي تراهن على قيم التسامح و السلام، في خضم تلك الانتكاسات المتسارعة ، و من خلال سلسلة من المؤتمرات و الملتقيات، رائدة في ما تركته من أصداء و بصمات محلية و عالمية ،في باب نشر ثقافة التسامح و السلام، التي هي الأصل في استئصال جذور الآفات، التي يعاني منها الآخر اجتماعية كانت أو سياسية أو أخلاقية او دينية، خاصة حينما تراهن مؤتمرات التسامح و التعايش السلمي هاته على الشباب، باعتباره الفئة الأحوج إلى كبير الاهتمام ، لأنه صانع الحضارة في المستقبل.

و من خلال ما أسلفنا فإن التركيز يبقى دائما على الشباب، لأن هذا الأخير أصبح قنبلة موقوتة، في ظل تعدد وسائل التواصل التكنلوجي الملغوم في بعض مساربه، و العصي على كل مراقبة أو متابعة، لهذا كان حريا بالخطاب أن يستهدف، أول من يستهدف الشباب، و أن يجعله في منأى عن كل الإغراءات الأيديولوجية، و كل الأفكار الهدامة، الداعية إلى التطرف و الإرهاب، و التي تتسرب إليه فيتمثلها دونما وعي منه.

و من هنا كان حريا بهذه الهيئات الداعية إلى السلم و التسامح أن تستهدف في مجمل نشاطاتها تمنيع هذا الشباب و تحصينه، لأنه المعول عليه، كدينامية لتحريك مسيرة السلام و التسامح و التعايش بين الشعوب، و لتفعيل مبادئ و أهداف هذه الهيئات، و التي نجملها في الآتي:

– نبذ العنف و الكراهية و الصدام ، و التصدي للإرهاب و التعصب العرقي، و الدعوة إلى مد جسور الحوار و التفاهم و الاحترام، بين العالم الإسلامي و باقي الشعوب الأخرى، تفاديا للطائفية المقيتة و إحلالا للتساكن و التعايش و السلام.

– رعاية حقوق الإنسان و المرأة و الطفل من منظور التسامح.

– إيلاء الاهتمام للمؤسسات الدينية و التعليمية و الإعلامية و الفنية و الثقافية، بشكل يضمن انخراط كل هذه القنوات، في الدفع بعجلة التسامح و السلام إلى الامام، إلى جانب التأكيد أيضا على قيم المواطنة، و الدعوة إلى تكامل الجهود السياسية و الدينية ، و جهود المجتمع المدني، و كذا تفعيل أسس السلام و احترام الهويات و الخصوصيات القومية ، إلى جانب القضاء على التمييز بكل أشكاله.

و يبقى الهدف من أنشطة كل هذه الهيئات، هو إماطة اللثام عن كل المعيقات، و تبني استراتيجيات تعمق مفهوم التسامح، من خلال بلورة مشروع إنساني تاريخي ، يمكن من تعايش كل الألوان و الأطياف و الجنسيات و المعتقدات ، مما يخلق نوعا من التثاقف و التلاقح البنائين، ليبقى السلم و المحبة و التسامح دائما، هو تلك الظلة التي يستظل تحتها العالم مطمئنا..لأن الحروب تدمر ، بينما الحب يعمر.