عبدالله خباز-
تشهد منطقة الشرق الأوسط خلال هذه المرحلة واحدة من أكثر الفترات حساسية و تعقيدا، في ظل تصاعد التوتر بين إيران من جهة، و الولايات المتحدة و إسرائيل من جهة أخرى، مقابل محاولات دبلوماسية متقطعة لاحتواء الأزمة و منع انزلاقها نحو مواجهة أوسع.
و رغم ما يتم تداوله من أخبار عن “حرب مفتوحة”، فإن المعطيات المؤكدة من مصادر دولية متعددة تشير إلى وضع أكثر تعقيدا يتمثل في تصعيد عسكري غير مباشر، و توترات متقطعة، و حرب ظلت تشمل الجوانب البحرية و السيبرانية و الردود المحدودة، دون الوصول إلى مواجهة شاملة معلنة بين الأطراف المعنية.
على المستوى الميداني، تتواصل حالة التوتر في عدد من مناطق النفوذ الإستراتيجي، خاصة في محيط الخليج و الممرات البحرية الحيوية. و تشير تقارير دولية إلى تشديد الإجراءات الأمنية و الرقابية على حركة السفن في بعض الممرات الحساسة، وسط مخاوف من انعكاسات أي تصعيد على أمن الطاقة العالمي.
و في المقابل، تعتمد الأطراف المعنية على أساليب ردع متبادلة، تتراوح بين العمليات غير المباشرة و الضربات المحدودة، في إطار ما يوصف بـ”حرب منخفضة الوتيرة” تهدف إلى الضغط السياسي و العسكري دون الإنزلاق إلى حرب شاملة مفتوحة.
على الصعيد الدبلوماسي، لا تزال قنوات التفاوض قائمة عبر وسطاء إقليميين و دوليين، إلا أن نتائجها لم ترق إلى مستوى التقدم الملموس حتى الآن. و تتمحور أبرز نقاط الخلاف حول الملف النووي الإيراني و آليات الرقابة عليه، و العقوبات الإقتصادية المفروضة على طهران، و أمن الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، إضافة إلى توازنات النفوذ الإقليمي في المنطقة.
و رغم تبادل بعض المقترحات غير الرسمية، فإن الفجوة بين الأطراف لا تزال كبيرة، مع استمرار غياب الثقة المتبادلة، و هو ما يجعل المفاوضات عرضة للتعثر أو التجميد في أي لحظة.
من الناحية العسكرية، يجمع المراقبون على وجود تفوق تقني وجوي واضح لدى الولايات المتحدة و إسرائيل، مقابل امتلاك إيران لقدرات صاروخية و شبكات نفوذ إقليمي و أدوات ردع غير تقليدية. هذا التوازن غير المتكافئ يجعل أي مواجهة مباشرة شاملة مكلفة للغاية لجميع الأطراف، و يرجح استمرار نمط “الإشتباك المحدود” بدل الحرب المفتوحة، مع قابلية التصعيد في حال انهيار خطوط التهدئة غير الرسمية.
لا يقتصر تأثير التوتر الحالي على الجانب العسكري و السياسي فقط، بل يمتد بشكل مباشر إلى الإقتصاد العالمي، خصوصا في ما يتعلق بأسواق الطاقة. فأي اضطراب في الممرات البحرية الإستراتيجية، و على رأسها مضيق هرمز، ينعكس بسرعة على أسعار النفط و التجارة العالمية، ما يزيد من مخاوف الأسواق من موجات تضخم جديدة و اضطرابات في سلاسل الإمداد.
كما تواجه الأطراف المعنية تكاليف اقتصادية و أمنية مرتفعة، سواء نتيجة العقوبات أو الإنفاق العسكري أو حالة عدم الإستقرار الإقليمي.
في ظل الوضع الحالي، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة. السيناريو الأول يتمثل في تسوية دبلوماسية تدريجية تتطلب تنازلات متبادلة و اتفاقات رقابية و ضمانات أمنية، لكنه يظل صعب التحقيق في المدى القريب. السيناريو الثاني هو استمرار “الحرب الباردة الإقليمية”، و هو الأكثر ترجيحا حاليا، و يقوم على استمرار التوتر دون حرب شاملة أو سلام نهائي، مع إدارة الصراع عبر أدوات غير مباشرة. أما السيناريو الثالث فهو تصعيد واسع النطاق، و هو الأقل احتمالا لكنه الأكثر خطورة، و قد ينتج عن ضربة كبيرة أو انهيار مفاجئ في مسار التهدئة، بما قد يجر المنطقة إلى مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات.
تبدو المنطقة اليوم أمام معادلة دقيقة تقوم على التوازن بين الردع و التصعيد، حيث لا يبدو أي طرف قادرا على فرض حسم عسكري، و لا يبدو المسار الدبلوماسي قد بلغ بعد مرحلة الإختراق الحاسم. و بين هذين المسارين، يبقى مستقبل المنطقة مرهونا بقدرة الأطراف على ضبط التصعيد، و إعطاء الأولوية لمنطق التفاوض على منطق المواجهة، تفاديا لانزلاق قد تكون كلفته الإقليمية و الدولية باهظة للغاية.

