عبدالله خباز
تشهد منطقة الشرق الأوسط خلال الساعات الأخيرة حالة من الترقب الحذر، في ظل استمرار التوتر بين إيران و الولايات المتحدة، حيث تختلط مؤشرات التهدئة بتحركات و تصريحات تعيد شبح التصعيد إلى الواجهة، دون أن تنفصل هذه الدينامية عن سياق تفاوضي معقد لم يصل بعد إلى نتائج حاسمة.
ففي الوقت الذي يفترض فيه انطلاق جولة جديدة من المفاوضات بين الطرفين، برز تصريح منسوب إلى دونالد ترامب تحدث فيه عن ما وصفه بـ”عملية مطرقة منتصف الليل”، معتبرا أنها شكلت “إبادة شاملة لمواقع الغبار النووي” في إيران، و مشيرا إلى أن التعامل مع هذه المواقع “عملية شاقة”. تصريح بهذا الحجم، و بهذا التوقيت، لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع القائم، و لا عن أساليب إدارة التفاوض بين القوتين.
المعطيات المتوفرة إلى حدود الآن تشير إلى أن الوضع الميداني لا يزال تحت ما يمكن وصفه بـ”هدنة هشة”، حيث لم تسجل مواجهات مباشرة واسعة في الساعات الأخيرة، غير أن حالة الإستنفار السياسي و العسكري لم تتراجع. في المقابل، لم تحقق المساعي الدبلوماسية الإختراق المنتظر، إذ ما تزال الخلافات قائمة، خاصة في ما يتعلق بالملف النووي و شروط كل طرف للعودة إلى تفاهمات جديدة.
ضمن هذا السياق، يكتسب هذا التصريح المنسوب دلالات متعددة، أبرزها كونه يعكس توجها نحو رفع سقف الضغط قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض. فالحديث عن عملية عسكرية “حاسمة” – سواء كانت واقعية بالكامل أو في إطار الخطاب السياسي – يهدف إلى إظهار التفوق و القدرة، و بالتالي تحسين موقع التفاوض. و هو أسلوب مألوف في العلاقات الدولية، حيث تستخدم الرسائل الإعلامية القوية كأداة موازية للتحركات الدبلوماسية.
في المقابل، من المتوقع أن تتعامل إيران مع هذا النوع من التصريحات بحذر، مع التمسك بمواقفها المعلنة الرافضة لما تعتبره “شروطا قصوى”، و هو ما يزيد من تعقيد المشهد و يجعل فرص التوصل إلى اتفاق سريع محدودة، على الأقل في المدى القريب.
إقليميا، تتواصل الجهود لاحتواء الوضع و منع انزلاقه نحو مواجهة مفتوحة، في ظل إدراك واسع بأن أي تصعيد مباشر لن يظل محصورا بين طرفين فقط، بل قد يمتد ليشمل أطرافا أخرى في المنطقة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات أمنية و اقتصادية واسعة.
بناء على كل هذه المؤشرات، يمكن القول إن المنطقة لا تعيش حالة حرب شاملة في الوقت الراهن، لكنها أيضا بعيدة عن الإستقرار الحقيقي. ما يجري هو إدارة دقيقة لحافة التوتر، حيث تتقاطع الرسائل النارية مع قنوات التفاوض، في محاولة لفرض موازين قوى جديدة دون الإنزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
و في ظل هذا المشهد، تبقى كل السيناريوهات واردة: إما تقدم تدريجي نحو تسوية سياسية، أو عودة سريعة إلى التصعيد إذا ما فشلت المفاوضات في تحقيق الحد الأدنى من التفاهم. و بين هذا و ذاك، يظل التصريح الأخير المنسوب إلى دونالد ترامب مؤشرا واضحا على أن معركة “الضغط” ما تزال في أوجها، حتى و إن لم تتحول بعد إلى مواجهة مباشرة على الأرض.
