حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

 

عبدالله ضريبينة-

في خطوة مفاجئة تعكس توتراً خفياً آخذ في التصاعد بين الجارتين المغاربيتين، أقدم النظام الجزائري على وقف ضخ الغاز نحو تونس، ما أدى إلى ارتباك حاد في شبكة التزود بالكهرباء لدى الأخيرة، واضطرها إلى شراء الكهرباء من الجزائر نفسها بأسعار باهظة، تجاوزت في بعض التقديرات ثلاثة أضعاف كلفتها الحقيقية.
تونس، التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة وميزانية مرهقة، وجدت نفسها رهينة لسياسة طاقة تحمل طابع الابتزاز السياسي أكثر من منطق التعاون الثنائي المفترض بين بلدين شقيقين. فبحسب تقارير مسرّبة من مصادر مطلعة، بلغ سعر الكيلوواط ما يعادل 11 دولاراً، في وقت تضغط الجزائر بشدة لتحصيل مبلغ يتجاوز 130 مليون دولار خلال أيام، ملوّحة بخيار قطع التيار الكهربائي بالكامل.
ما كان يُفترض أن يكون ملفاً تعاونياً وتنموياً، تحوّل إلى ورقة ضغط تمارسها الجزائر، في انتهاك واضح لمبادئ حسن الجوار ولأبسط قواعد الشراكة العادلة. هذا السلوك لا يخرج عن منطق فرض الهيمنة عبر التحكم في الموارد الأساسية، ويؤكد بشكل متزايد أن العلاقة بين البلدين لم تعد تقوم على الثقة والمصالح المتبادلة، بل على ميزان قوى مختل.
في ظل هذا التصعيد، تُدفع تونس إلى الزاوية. محطات الكهرباء تعمل بأدنى طاقتها، والشبكة الطاقية تعاني من هشاشة غير مسبوقة، في حين تواجه الحكومة خيارات محدودة للخروج من الأزمة. هذا الوضع يحتم على تونس إعادة صياغة استراتيجيتها الطاقية، وتنويع مصادر التزود، وتحرير قرارها السيادي من قيود الضغط السياسي والإملاءات الإقليمية.
من منظور حقوقي، فإن استغلال الطاقة لأغراض سياسية يمثل انتهاكاً لحق الشعوب في الوصول العادل والمستقر إلى الموارد الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء. مثل هذه التصرفات تؤكد الحاجة الملحة لوضع آليات إقليمية ملزمة تضمن عدم تسليح القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الطاقة، في نزاعات أو خلافات سياسية.
بينما تواصل الجزائر الترويج لنفسها كقوة إقليمية، فإن واقع ممارساتها يكشف هشاشة هذا الخطاب، وعجزه عن إنتاج نموذج يُحتذى به في المنطقة. أما تونس، فهي اليوم مدعوة لتحويل الأزمة إلى فرصة، تخرج من خلالها من دائرة الارتهان، وتعيد رسم ملامح أمنها الطاقي بمنظور استراتيجي بعيد عن التبعية والضغط.