حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

– محمد خطيب

في إطار سعي المغرب إلى ترسيخ الريادة الإفريقية في مجالات الاستثمار والتشغيل، نظّمت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، يوم الثلاثاء 8 أبريل 2025، الدورة الثالثة من “الأيام الإفريقية للاستثمار والتشغيل”، التي شكلت منصة رفيعة المستوى للحوار وتبادل الرؤى حول سبل النهوض بقارة إفريقية قوية، موحدة، وذات سيادة في قرارها التنموي والصحي، وذلك بمشاركة وزراء ومسؤولين حكوميين وخبراء من مختلف أرجاء القارة.
في مداخلته خلال هذه الفعالية، شدد السيد هشام صابري، كاتب الدولة المكلف بالشغل، على أن إفريقيا اليوم تقف أمام فرصة تاريخية لإرساء نموذج اقتصادي شمولي ومستدام، يتمحور حول الاستثمار في الرأسمال البشري، ولا سيما فئة الشباب. وأكد أن تحقيق التنمية الاقتصادية لن يتم بمعزل عن التعاون الإقليمي، وتكامل الجهود، وتثمين الذكاء الجماعي، والانفتاح على مجالات التكوين، والتكنولوجيا، والابتكار.
كما أبرز صابري أهمية التحول الرقمي في المجال الصحي، مشيراً إلى أن الصحة الرقمية لا تكتفي بتحسين جودة الرعاية، بل تُشكل رافعة لخلق مهن مستقبلية تتماشى مع حاجيات الشباب الإفريقي، من بينها تحليل البيانات الطبية، الرعاية الصحية عن بُعد، وهندسة الذكاء الاصطناعي في المجال السريري.
ودعا إلى تعزيز التكوين الجامعي والمهني بالشراكة مع مختلف الفاعلين في قطاعي الصحة والتكنولوجيا، وتشجيع ريادة الأعمال من خلال دعم الحاضنات الجهوية ومنصات الابتكار، مع ضرورة إدماج الأبعاد الأخلاقية والمجالية، وضمان العدالة المجالية في توزيع فرص الشغل.
ولم يفت صابري التذكير بالرؤية الملكية الاستشرافية، مستحضراً خطاب جلالة الملك محمد السادس في أبيدجان سنة 2016، والذي أكد فيه أن “إفريقيا تثق في إفريقيا”، وهي اليوم مقولة تحوّلت إلى مرجعية استراتيجية للعلاقات البينية داخل القارة.
من جانبه، تناول البروفيسور خالد آيت الطالب، وزير الصحة والحماية الاجتماعية السابق، التحديات البنيوية التي تواجه المنظومات الصحية الإفريقية، مبرزاً أن القارة رغم ديناميتها الصحية الواعدة، لا تزال تعاني من تشتت الجهود وتباين السياسات بين أقاليمها، ما يعيق قيام منظومة صحية متكاملة ومتجانسة.
وأشار إلى الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات قارية، مثل “CDC Africa”، في تجاوز هذا التشتت، خصوصاً بعد الدروس المستخلصة من جائحة كوفيد-19، التي كشفت عن هشاشة الأنظمة الصحية حتى في الدول المتقدمة، وأبرزت ضرورة الاستثمار في البنيات التحتية واليقظة الوبائية والتصنيع المحلي للأدوية والمستلزمات.
واعتبر آيت الطالب أن السيادة الصحية ليست مسألة وطنية فحسب، بل هي ورش جماعي إفريقي، يقتضي توحيد الجهود واستثمار الإمكانات البشرية والطبيعية الهائلة التي تزخر بها القارة. وشدد على أن المغرب، بفضل التوجيهات الملكية السامية، باشر إصلاحاً جذرياً للمنظومة الصحية يركز على تأهيل الموارد البشرية، وتحديث الحوكمة الصحية، وإدماج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الخدمات العلاجية.
وفي هذا السياق، أشار إلى التحول النوعي الذي يشهده الطب نحو المقاربات التنبؤية والوقائية، عبر استخدام علوم الجينوم والبروتيوم والبيانات البيولوجية، داعياً إلى الاستثمار في البحث العلمي كرافعة حقيقية نحو استقلال صحي مستدام.
كما دعا إلى تكثيف جهود التصنيع المحلي للقاحات، مشيراً إلى أن ثمانية دول إفريقية أصبحت قادرة على الإنتاج، لكنها بحاجة إلى آليات للتنسيق والتكامل، بما يمكن من ضمان أمن صحي قاري يُقلل من التبعية الخارجية.
في ختام مداخلته، شدد آيت الطالب على ضرورة ترجمة مخرجات هذا اللقاء إلى توصيات قابلة للتنفيذ، تُعرض على صناع القرار الإفريقيين، بهدف بناء منظومة صحية عادلة، شاملة، ومرنة في مواجهة التحديات الصحية المستقبلية. مؤكداً أن الأمل معقود على الشباب الإفريقي، وعلى إمكانات القارة الهائلة، وداعياً إلى مواصلة العمل الجماعي بروح التفاؤل والثقة في القدرات الذاتية للقارة.
هذا اللقاء يعكس التزام المغرب الراسخ، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، بمواصلة دعم إفريقيا، وتعزيز التعاون جنوب-جنوب، وتكريس نموذج تنموي يستند إلى الإنسان كمحور لكل السياسات، في أفق بناء قارة ذات سيادة صحية، ومكانة استراتيجية متقدمة في النظام العالمي الجديد.