حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

 

عبدالله خباز –

لم يكن الحدث هذه المرة داخل المستطيل الأخضر، و لا بين صخب المدرجات و الهتافات، بل خارج أسوار الملعب و في محيطه، حيث كتبت مشاهد إنسانية صادقة، لخصت معنى المغرب و عمق قيمه. مشاهد بسيطة في تفاصيلها، كبيرة في رسائلها، قالت الكثير عن شعب اختار دائما أن يعرف بنفسه بالفعل لا بالشعارات.

في محيط الملعب المحتضن لمباراة الجزائر و السودان، لفت انتباه الحاضرين تصرف عفوي لمجموعة من المغاربة، الذين بادروا إلى تقديم الشاي و أنواع من الحلويات المغربية التقليدية، للجماهير الجزائرية القادمة لمتابعة اللقاء، و هو الأمر الذي لم يكن منظما أو مؤطرا، بل نابعا من روح تلقائية تعكس ثقافة مغربية، راسخة في حسن الاستقبال و كرم الضيافة.

هذا المشهد، الذي جرى بعيدا عن عدسات البث الرسمي، ترك أثرا طيبا في نفوس العديد من المشجعين الجزائريين، الذين عبروا بعفوية عن امتنانهم، مؤكدين أن ما وجدوه في المغرب لم يكن سوى ترجمة حقيقية لقيم الجود و الاحترام، التي طالما ارتبطت بصورة المغاربة.

و بالتوازي مع ذلك، برز مشهد إنساني آخر لا يقل عمقا و تأثيرا، تمثل في تدخل مجموعة من رجال القوات المساعدة، من أجل مساعدة مشجعة جزائرية من ذوي الاحتياجات الخاصة، وجدت صعوبة في الولوج إلى داخل الملعب بسبب الاكتظاظ الشديد، و ضيق أحد الممرات المخصصة لمرور الجماهير. و أمام هذا الوضع، لم يتردد رجال القوات المساعدة في التدخل، حيث قاموا بمساعدتها وحملها بعناية لتجاوز الممر الضيق، ثم رافقوها خطوة بخطوة إلى أن تمكنت من دخول الملعب في أجواء آمنة و محترمة.

إنه مشهد إنساني مؤثر، عكس روح المسؤولية و البعد الإنساني في أداء الواجب، بعيدا عن أي استعراض أو تصنع، و أوضح أن هاتين اللقطتين، رغم بساطتهما، حملتا رسالة واضحة: المغرب لا يختزل تنظيم التظاهرات الرياضية في الجانب اللوجستي فقط، بل يراهن على الإنسان أولا، سواء كان ضيفا أو مشجعا أو شخصا في وضعية خاصة، يحتاج إلى الدعم و المواكبة.

خارج الملعب، حيث لا تحتسب الأهداف و لا تعلن النتائج، حقق المغرب فوزا من نوع آخر، مرتبطا بفوز القيم و الإنسانية و الأخلاق، فوز لا يظهر في لوحات النتائج، لكنه يبقى راسخا في الذاكرة، و يسهم في ترسيخ صورة بلد جعل من الاحترام و حسن المعاملة عنوانا دائما له. هكذا هو المغرب، في التفاصيل قبل العناوين الكبرى، و في المواقف الصغيرة قبل الخطابات الكبيرة، و وحدها الإنسانية كانت النتيجة الأجمل.