عبدالله خباز
في ليلة كروية مشتعلة فوق عشب الملاعب القطرية، دوى صوت الجمهور المغربي و هو يردد بثقة: “لا تستفزوا الأسود!”، و كأنها كانت نبوءة رياضية تجسدت بكل تفاصيلها في مواجهة نارية جمعت المنتخب الوطني المغربي بنظيره السعودي ضمن منافسات الدور الأول من بطولة كأس العرب قطر 2025. مواجهة حملت كل عناصر الإثارة و الصراع و الندية، و انتهت بانتصار مغربي مستحق أعاد الاعتبار و رد على كل من شكك في قوة الأسود أو حاول التقليل من قيمتهم.
ما أثار الحساسية لدى الجماهير المغربية، قبل صافرة البداية حتى، كان ترديد الجماهير السعودية لعبارة “هاتوا المغرب هات”، و كأن المنتخب المغربي مجرد عقبة سهلة في طريقهم. هذه العبارة، التي اعتبرها المغاربة استفزازا و انتقاصا من قوة منتخبهم، لم تمر مرور الكرام، بل تحولت إلى وقود إضافي أشعل روح التحدي لدى اللاعبين و الجمهور على حد سواء، ليأتي الرد داخل المستطيل الأخضر، حيث تقال الكلمة الفصل، لا في الشعارات و لا في منصات التواصل.
منذ الدقائق الأولى ظهرت ملامح مباراة كبيرة، مباراة تلعب فيها الأعصاب قبل الأقدام. الفريقان دخلا بقوة، و كل منهما يبحث عن فرض شخصيته و إثبات أحقيته بالعبور. لكن لحظة الحقيقة جاءت سريعا، و في الدقيقة 11 تحديدا، حين وقع اللاعب المتألق كريم البركاوي هدفا رائعا هز الشباك و هز معه مدرجات الملعب من الجانبين. هدف أشعل المباراة أكثر، و فتح الباب أمام صراع تكتيكي و تقني شديد، تحولت معه المواجهة إلى معركة كروية بكل معنى الكلمة.
الشوطان سارا على إيقاع الندية المطلقة: صراع على كل كرة، التحامات، ضغط، فرص ضائعة، و ترقب جماهيري يزداد مع كل دقيقة. و رغم تقدم المنتخب المغربي، فإن الشوط الثاني حمل لحظة كادت أن تقلب الموازين حين حصل المنتخب السعودي على ضربة جزاء في الدقيقة 70. هنا توقف الزمن للحظة، و تجمد الملعب كله بانتظار التنفيذ… لكن الكرة رفضت أن تعانق الشباك، لتنفجر المدرجات بصيحات مختلطة من الصدمة و السخرية و الفرح. و كان السؤال الذي تردد كثيرا بعد ذلك: “أين هات المغرب هات؟”
تلاشت الثقة السعودية في تلك اللحظة، و تبدد ذلك اليقين الذي حاول بعضهم الترويج له. بينما ازداد صمود الأسود، و تمسكوا بانتصارهم حتى صافرة النهاية، مؤكدين مرة أخرى أنهم منتخب لا يستهان به، و أن احترام الخصم هو أولى قواعد كرة القدم قبل أي حديث عن التفوق.
و بهذا الفوز الكبير، يعتلي المنتخب المغربي صدارة مجموعته بسبع نقاط كاملة، أداء و روحا و نتيجة، تاركا المنتخب السعودي في المركز الثاني. صدارة مستحقة جاءت عبر عرق و تحدي و تركيز، و جاءت أيضا كرسالة قوية: المنتخب المغربي لا يستفز… و إذا استفز، ينهض، يثور، و ينهي كل جدل داخل الملعب.
انتصار الليلة لم يكن مجرد ثلاث نقاط، بل كان درسا في الاحترام و الروح القتالية، و تأكيدا على أن الأسود عندما يقررون الافتراس، فهم لا يخطئون الهدف.
