عبدالله خباز
في زمن تتسارع فيه التحولات الإجتماعية و تتشابك فيه التحديات الإقتصادية مع الأعراف التقليدية، ما يزال الزواج المبكر يشكل واحدة من أكثر القضايا حساسية و إثارة للقلق، ليس فقط من زاوية إجتماعية أو قانونية، بل أيضا من منظور صحي عميق يمس جسد الفتاة و نفسها و مستقبلها. خلف الأرقام و المعطيات، تختبئ قصص صامتة لفتيات وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة مسؤوليات تفوق أعمارهن، و أعباء جسدية و نفسية لم يتهيأن لها بعد.
الزواج المبكر، الذي يقصد به ارتباط الفتاة قبل بلوغها سن النضج الكامل، يضعها في قلب مخاطر صحية حقيقية تبدأ من الحمل المبكر. فالجسد الذي لم يكتمل نموه بعد يكون أكثر عرضة لمضاعفات خطيرة، سواء أثناء الحمل أو الولادة، من بينها فقر الدم، إرتفاع ضغط الدم، و صعوبات الولادة التي قد تهدد حياة الأم و الجنين معا. كما تشير تقارير طبية إلى أن الفتيات الصغيرات أكثر عرضة للولادات المعقدة، ما يرفع من نسب التدخلات الطبية الطارئة، في بيئات قد تفتقر أصلا إلى التجهيزات الضرورية، خصوصا في المناطق القروية.
و لا تقف المخاطر عند الجانب الجسدي فقط، بل تمتد إلى الصحة النفسية، حيث تجد الفتاة نفسها في وضعية انتقال مفاجئ من الطفولة إلى حياة زوجية مليئة بالضغوط. الإحساس بالعزلة، فقدان الدعم الأسري، و الانقطاع عن الدراسة، كلها عوامل قد تدفع إلى اضطرابات نفسية مثل القلق و الإكتئاب، في صمت غالبا ما لا يلتفت إليه. و في مجتمعات لا تزال تعتبر هذه المعاناة “أمرا عاديا”، تحرم كثير من الفتيات من حقهن في التعبير أو طلب المساعدة.
من جهة أخرى، يطرح الزواج المبكر إشكالات حقيقية في ما يتعلق بالصحة الإنجابية، إذ يؤدي نقص التوعية و غياب التربية الصحية إلى ممارسات خاطئة قد تكون لها عواقب طويلة الأمد. كما أن الفتاة الصغيرة غالبا ما تكون أقل قدرة على اتخاذ قرارات تتعلق بصحتها، سواء بسبب ضعف المعرفة أو بسبب هيمنة طرف آخر داخل العلاقة الزوجية، ما يزيد من هشاشتها الصحية و يعمق دائرة المخاطر.
و لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن سياقها الإجتماعي و الإقتصادي، حيث تلجأ بعض الأسر إلى تزويج بناتها في سن مبكرة بدافع الفقر أو الخوف من الإنحراف أو بدافع التقاليد. غير أن هذا “الحل” الظاهري يخفي في طياته أزمة مركبة، إذ تتحول الفتاة من ضحية للهشاشة إلى ضحية لمنظومة كاملة تعيد إنتاج نفس الظروف. فبدل أن يكون الزواج حماية، يصبح في كثير من الحالات مدخلا لمزيد من التهميش و الإقصاء.
و في مقابل هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى مقاربة شمولية تعالج جذور الظاهرة، من خلال تعزيز التمدرس، و نشر الوعي الصحي، و تمكين الفتيات من المعرفة و القدرة على اتخاذ القرار. كما يظل دور المؤسسات الصحية و التربوية و الإعلامية حاسما في كسر الصمت المحيط بهذه القضية، و فتح نقاش مجتمعي مسؤول يضع مصلحة الفتاة في صلب الأولويات.
إن الحديث عن الزواج المبكر ليس مجرد نقاش عابر، بل هو سؤال جوهري حول مستقبل جيل كامل من الفتيات، و حول قدرة المجتمع على حماية أفراده الأكثر هشاشة. و بين واقع يفرض نفسه و تطلعات نحو التغيير، تبقى الحقيقة الأبرز أن صحة الفتاة ليست تفصيلا هامشيا، بل هي أساس أي تنمية حقيقية لا يمكن أن تقوم دون إنصافها و ضمان كرامتها.
