بوشعيب هارة
في مشهد يعكس غياب الحس الوطني لدى فئة واسعة من المواطنين، عادت أسعار اللحوم بالمغرب إلى الارتفاع بشكل مفاجئ، مباشرة بعد انتشار مظاهر التهافت على اقتناء الأكباش استعداداً لعيد الأضحى، رغم التوجيهات الملكية الصريحة التي دعت إلى تعليق ذبح الأضاحي هذا العام نظراً للظروف الصعبة التي يمر بها القطيع الوطني.
تشهد الأسواق المغربية هذه الأيام حالة غير مسبوقة من التهافت على اللحوم الحمراء، حيث لجأ العديد من المواطنين إلى تخزين كميات كبيرة منها في المجمدات، خوفًا من ارتفاع الأسعار أو ندرة العرض مع اقتراب عيد الأضحى. هذا السلوك الاستثنائي غذّته شائعات حول إغلاق المجازر لأيام طويلة، مما تسبب في ارتفاع مفاجئ في الطلب على اللحوم، ليرتفع معها ثمنها.
وأشارت مصادر مهنية في قطاع اللحوم إلى أن هذه الممارسة تقودها الطبقتان المتوسطة والفقيرة، واللتان كانتا تشتكيان سابقًا من غلاء الأضاحي قبل القرار الملكي. وقد أكدت نفس المصادر أن الأسواق شهدت خلال الأيام الأخيرة ارتفاعًا غير مبرر في أسعار اللحوم الحمراء والأحشاء “الدوارة”، بسبب تنامي الطلب الناتج عن إقبال غير عقلاني على شراء الأكباش، في وقت تسعى فيه الحكومة جاهدة لإنقاذ ما تبقى من الثروة الحيوانية المتضررة بفعل الجفاف وتراجع الإنتاج.
اللافت أن البعض لم يكتف بشراء اللحوم فحسب، بل تجاوز الأمر إلى اقتناء أضحية العيد وذبحها مُسبقًا، دون أي اعتبار لتعليق الشعيرة الدينية، التي يفترض أن يتم فيها الذبح في وقت محدد. هذا التصرف يتعارض مع توجيهات القيادة العليا للبلاد، بل يعدّ مخالفة صريحة لتوجيهات رسمية تدعو إلى تعليق النحر بسبب ندرة الأضاحي.
إن اقتناء اللحوم والأحشاء “الدوارة” بطريقة سرية لاستهلاكها في العيد دون اعتبار لقرار الملك (أمير المؤمنين) بإلغاء النحر، يعدّ مساهمة في تفاقم الأزمة الاقتصادية ويزيد من معاناة ملايين الأسر المغربية، ويعدّ تناقضًا مع الشريعة الإسلامية.
ومع غياب أي تدخل فعّال لضبط السوق، أصبحت الفوضى سيدة الموقف. فلا تسعيرة واضحة، ولا رقابة صارمة، في ظل عجز الجهات المسؤولة عن كبح جماح جشع بعض الوسطاء والمضاربين. المواطن في المقابل، وجد نفسه بين نارين: نار الأسعار الملتهبة ونار التخوف من نفاد اللحوم، فاختار الحل الأسهل وهو التخزين في المجمدات.
أمام هذا المشهد المرتبك، بات من الضروري أن تتحرك السلطات لتقنين الأوضاع ومعاقبة كل من يعبث بأمن السوق أو يستخف بالقرارات، خاصة وأننا على أبواب مناسبة دينية تتطلب الانضباط والوعي، لا الفوضى والهلع والتخزين.
تعتبر هذه التصرفات “الأنانية” خيانة جماعية لمستقبل القطيع الوطني، وضربًا في العمق للتوصيات الملكية السامية التي رُفعت من أجل المصلحة العامة. فما يجري حاليًا من غلاء واسع يبقى على عاتق وزارة الداخلية، التي تأخرت في اتخاذ تحرك حقيقي لتطبيق القرار الملكي، بينما وجد بعض السماسرة والمضاربين في تهافت المواطنين على اقتناء الأكباش فرصة للاغتناء السريع، مستغلين الارتباك في السوق لرفع الأسعار بشكل جنوني، مما سينعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين في الأسابيع المقبلة.
فمتى سيفهم المغاربة أن التضحية الحقيقية هذه السنة ليست في ذبح الأضاحي، بل في الحفاظ على القطيع الوطني وإنقاذه من الانهيار؟.
