بوشعيب هارة_
يواجه عدد كبير من المشردين في مختلف مدن المملكة أوضاعًا مأساوية، مع استمرار موجة البرد القارس التي تجتاح عدة مناطق، مما يشكل خطرًا مباشرًا على حياتهم.
وتتفاقم معاناة هذه الفئة، التي تضم أطفالًا ويافعين ومسنين من الجنسين، مع النوم في العراء خلال فترة البرد القارس التي تتصادف مع شهري يناير وفبراير، ما يعمق جراح هذه الفئة الاجتماعية التي وجدت نفسها دون مأوى، وسط انخفاض حاد في درجات الحرارة، في غياب حلول ملموسة لإيوائهم.
ورغم خطورة هذه الظاهرة، تغيب قضية المشردين هذه السنة بشكل لافت عن أجندة النقاش السياسي والحقوقي، وتفتقر إلى اهتمام إعلامي وبرامج الدولة الموجهة لدعم الفئات الهشة، ما يضع هذه الشريحة في مواجهة مصير قاسٍ دون تدخلات عاجلة تضمن سلامتهم وحقهم في العيش الكريم.
و بينما استبشر المواطنون خيرا بالأمطار والثلوج التي تشهدها حاليا معظم جهات المملكة، بعد سنوات متتالية من الجفاف، تعيش فئات من المجتمع، وفي مقدمتها المشردون والأشخاص دون مأوى، هذه الفترة من ليالي البرد القاسية في ظروف صعبة للغاية، تزيد نكأ الجراح وتعمق معاناة فئة يظل الحصول على ملاذ دافئ ترفا بعيدا عن منالها.
لكل واحد من هؤلاء المشردين قصة إنسانية مختلفة، لكن المشترك والمآل واحد، تشرد وبؤس وقضاء فترة مناخية قاسية في العراء، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء إلا من بعض الملابس الرثة، أملا في أن تحميهم من ليالي الشتاء الطوال، التي حلت هذه السنة باردة، لتعمق من جراح شريحة تعاني الأمرين، فهي تصارع من أجل الحياة، وتكابد في الوقت نفسه من أجل البحث عن ما يسد رمقها ويدفئ أجسادها المثقلة بالهموم.
فمع كل موجة برد قارس، يكثر الحديث عن ضحايا التشرد المنتشرين بالشوارع وهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ومع الحديث هذا، تنطلق أصوات لفعاليات جمعوية وأخرى حقوقية تطالب باطلاق حملات للايواء لوقف نزيف تدفق عدد المتشردين والمتسولين والعجزة المتخلى عنهم الذين يأخذون من الشوارع والأزقة مأوى لهم ضمن مشاهد مقلقة تدمي القلب وتعري الواقع وتُسائل الوزارة الوصية على القطاع.
قد يكون دفء المكيفات والفراش الصوفي الوثير، والملابس الجلدية والصوفية والقطنية هو الذي ينسينا غيرنا فلا نفكر في معاناته، وقد تكون اللامبالاة واحتقار الإنسان لأخيه الإنسان من العوامل التي تجعل بعضنا لا يهمه أن يموت واحد أو جميع المشردين الذين اقتلعهم القدر من أحضان أسرهم الدافئة. لكن الأشدإيلاما هو لا مبالاة الدولة والمجتمع بهؤلاء المقصيين من كل شيء، وغياب سياسة حقيقية، وليست مناسباتية مرتبطة بفصل بعينه للتحرك لإنقاذهم، والأخذ بأيديهم لإيوائهم طول السنة. ومع ذلك، لا تنتظروا الدولة أن تتحرك لوحدها، تصدقوا من أموالكم لأشخاص يعيشون على الهامش، اجمعوا تبرعاتكم، فهم يحتاجون للمسكن والألبسة والأغطية، وأكلة دافئة تبعث الدفء في أجسادهم الهزيلة، يحتاجون للمسة إنسانية صادقة في هذا الفصل البارد، لا تكلف ثمن ما تنفقوه في أعراسكم وأفراحكم وأسفاركم.
يبدو أنه وعلى الرغم من المجهودات التي يبذلها المجتمع المدني وأيضا القطاعات الحكومية المعنية، فإن هذه الشريحة الاجتماعية تتقاسم مصيرها المجهول ومعاناتها اليومية، باستثناء مبادرات إنسانية وإن تعددت تظل غير كافية، في غياب اعتماد مقاربة شمولية ومندمجة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك في أفق تقديم حلول جذرية، أبرزها العودة إلى المأوى الطبيعي المتمثل في حضن الأسرة، أو الإيواء بالمراكز الاجتماعية مع بذل المزيد من الجهود لإعادة إدماجهم في المجتمع.
