منير المراكشي-
رغم شعارات الشفافية والإصلاح التي ترفعها “فاطمة الزهراء المنصوري” منذ توليها عمودية مراكش، إلا أن الواقع الميداني، وتصاعد رائحة الفضائح السياسية والإدارية، يرسمان صورة أخرى: صورة مسؤولة تُحكم قبضتها على مدينة تراثية، تُدار بمنطق النفوذ أكثر مما تُدار بمنطق الحكامة.
ففي قلب المدينة القديمة، حيث كان من المفترض أن يُعيد مشروع “مراكش الحاضرة المتجددة” الروح إلى المعمار العتيق، لم يُحصد سوى الغضب والتذمر، إذ التجار في سوق “أبلوح”، ضحايا هذا المشروع، وصفوا ما وقع بـ”جريمة عمرانية”، بعدما استُبدلت دكاكينهم التاريخية بأخرى حديدية باردة، دون استشارتهم أو احترام خصوصية المكان.
فضلا عن هذا، تثار فضيحة العقارات أمام المنصب الذي بات درعًا للتبرير، إذ في يوليوز الماضي، فجّرت وسائل إعلام ملفًا شائكًا: عمدة مراكش باعت عقارات بملايين الدراهم في ضواحي المدينة، لتردّ المنصوري سريعًا بأن الأرض “عائلية” ومُصرح بها للضرائب، لكن السؤال الأهم لم يُطرح: هل يجوز لشخصية سياسية، على رأس واحدة من أكبر الجماعات الترابية في المغرب، أن تُدير مشاريع عقارية في نفس المجال الترابي الذي تُشرف على تدبيره؟ أين يتوقف دور العمدة، وأين تبدأ مصالحها الخاصة؟ وما حدود تضارب المصالح؟
تبريرات العمدة، التي تحصّنت خلف الملكية العائلية، لا تُقنع الشارع المراكشي، الذي يتساءل إن كان هناك من يجرؤ على مراقبة “أمبراطورية المنصوري العقارية”، أم أن الحصانة السياسية صارت غطاءً لكل شيء.
و اللافت ليس فقط حجم الانحراف، بل صمت العمدة، التي لم يصدر عنها أي موقف واضح، و لم تطالب باستقالة، و لم تعتذر للمراكشيين، و كأن الحدث لا يعنيها.
هنا تُطرح تساؤلات جدّية: هل يتم انتقاء مرشحي المجلس على أساس الكفاءة، أم على أساس الولاء؟ من المسؤول عن تمرير هذا النموذج إلى دواليب التسيير المحلي؟ وهل يُعقل أن تكون مدينة بمكانة مراكش، رهينة لحسابات حزبية مريبة؟
فمن غياب استراتيجية بيئية واضحة، إلى فشل تدبير النفايات، وتضخم لوبيات العقار، وتراجع المساحات الخضراء، وانعدام التوازن المجالي بين المركز والضواحي… ينهار وجه مراكش يومًا بعد يوم، و
في المقابل، تُفضل العمدة الظهور في محطات رسمية، مرتدية جلابيب الوجاهة السياسية، حاضرة في الرباط والبرلمان، وغائبة عن هموم سكان المدينة الذين يعانون من فوضى النقل، العشوائيات، وموجة الغلاء التي لم تواكبها أي إجراءات واقعية من طرف مجلسها.
و السؤال المطروح: هل مراكش بحاجة لإعادة تحرير؟
فبعد 16 عامًا من وجود “فاطمة الزهراء المنصوري” في المشهد الجماعي، بات من المشروع أن نتساءل: هل مراكش مدينة تُدار لمصلحة ساكنتها، أم مجرد واجهة سياحية تُستغل سياسياً؟ وهل حان الوقت لكسر احتكار الأسماء التي تحوّلت من مُنتخبة إلى ما يشبه “المالكة غير المتوجة” لعاصمة الجنوب؟
ما يحدث في مراكش اليوم يتجاوز مجرد خروقات تقنية، فنحن أمام أزمة حوكمة، وأمام نموذج سياسي يُعيد إنتاج الفساد داخل قوالب ناعمة، تُغلفه الابتسامات والبيانات الصحفية المنمقة.
ويبقى الأمل في وعي المواطن المراكشي، وفي صحافة لا تخاف مساءلة السلطة.
