عبدالله خباز-
شهدت مدينة إنزكان، عشية أمس الثلاثاء 30 شتنبر 2025، حالة من الانفلات الخطير، بعدما تحولت احتجاجات سلمية مرتبطة بـ”جيل Z” إلى كر و فر بين المحتجين و القوات العمومية، لتأخذ منحى غير مسبوق في العنف و الفوضى، حيث الحجارة تطايرت في كل الاتجاهات، و سيارات شرطة محطمة، و ممتلكات خاصة و عامة مخربة، و مؤسسات بنكية لم تسلم من الهجوم، وثائق متناثرة في الشوارع، و محلات تجارية تحولت إلى رماد بعد إضرام النار فيها، و جرحى في صفوف رجال الأمن و في صفوف المحتجين.
المشهد كان صادما مما أثار قلق الساكنة، التي شددت على أن مثل هذه الممارسات بعيدة كل البعد عن الأسلوب الحضاري في التعبير عن المطالب المشروعة.
المحتجون، و معظمهم من فئة الشباب أو ما يصطلح على تسميته بـ”جيل Z”، كانوا في مسيرة سلمية يرفعون شعارات تعكس أوضاعا اجتماعية و اقتصادية صعبة، و تطالب بتحسين ظروف العيش و توفير فرص أفضل، غير أن المسيرة سرعان ما خرجت عن السيطرة، بعدما اندس في صفوفها من اختار العنف و التخريب، و هو ما أساء إلى صورة الاحتجاج و أضر بشرعية المطالب.
و خلال هذه الأحداث، سجلت تدخلات أمنية مكثفة أفضت إلى اعتقال عدد من المشتبه في تورطهم في أعمال التخريب و العنف، و هو ما يعكس أن الاحتجاج خرج عن نطاق التعبير السلمي، ليتحول إلى تهديد مباشر للنظام العام و لممتلكات المواطنين.
لقد أثبتت التجربة أن مثل هذه الانزلاقات لا تخدم أي قضية، بل تسيء إليها و إلى الوطن ككل، و تفتح الباب أمام من يسعى لزرع الفوضى و استغلال غضب الشباب. فكيف يمكن للمطالب، مهما بلغت مشروعيتها، أن تجد صدى و هي ملطخة بصور التخريب و العنف؟
إن ما وقع في إنزكان هو جرس إنذار للجميع: فبالنسبة للسلطات يجب أن تعي بأن لغة الحوار و الإنصات و التواصل المباشر مع الشباب، باتت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، قبل أن تنفلت زمام الأمور و يدفع الوطن ثمن غياب قنوات الوساطة، و بالنسبة للمواطنين و للمحتجين ، فإن الغضب لا يترجم عبر تكسير الممتلكات أو الاعتداء على المؤسسات، التي خصصت لخدمتهم، بل عبر أشكال احتجاج حضارية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
الوطن ملك للجميع، وحمايته مسؤولية مشتركة، و لا يمكن أن يبنى إلا على الاستقرار و السلم الاجتماعي، و مهما بلغت حدة الأزمات أو قوة المطالب ، فإن الانجرار نحو العنف لا يجلب سوى الخراب، كما يضاعف من معاناة البسطاء الذين يجدون أنفسهم أول ضحايا التخريب و الفوضى.
إن إنزكان التي عاشت ليلة من الرعب، تستحق أن تستعيد طمأنينتها عبر حكمة الدولة و رشد المحتجين، إذ الوطن أكبر من لحظة غضب، و أغلى من أن يترك رهينة للهدم.
