
تعيين ملكي يجدد الثقة في الكفاءات العلمية لترسيخ ثوابت الشأن الديني بالمغرب
عبدالله خباز-
في إطار العناية الخاصة التي يوليها جلالته، حفظه الله، لتدبير الحقل الديني، أشرف الملك محمد السادس، يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، على تعيين فضيلة الدكتور اليزيد الراضي أمينا عاما للمجلس العلمي الأعلى، في خطوة تعكس حرص المؤسسة الملكية على تعزيز دور هذه الهيئة في تأطير الشأن الديني و صون ثوابته.
و يأتي هذا التعيين، وفق بلاغ رسمي، ضمن رؤية متكاملة تروم تقوية حضور المجلس العلمي الأعلى باعتباره ركيزة أساسية في نشر قيم الوسطية و الإعتدال، و مواكبة التحولات التي يشهدها الخطاب الديني، بما ينسجم مع المرجعية الدينية للمملكة القائمة على إمارة المؤمنين.
و في هذا السياق، دعا جلالة الملك، بصفته أميرا للمؤمنين، الأمين العام الجديد إلى مواصلة الجهود في خدمة الدين الإسلامي، و ترسيخ مبادئه السمحة، و ضمان استمرارية أداء المجلس لمهامه في مجالات الإرشاد و التوجيه، بما يعزز الأمن الروحي للمغاربة.
كما شمل هذا الحدث الملكي تكريم الأمين العام السابق فضيلة الدكتور محمد يسف، الذي حظي بتوشيح بوسام العرش من درجة ضابط كبير، تقديرا لمساره الحافل بالعطاء و خدماته الجليلة للدين و الوطن.
و يعد الدكتور اليزيد الراضي من الأسماء الأكاديمية البارزة التي راكمت تجربة غنية في مجالات البحث العلمي و التدريس الجامعي و التأطير الديني. فقد اشتغل أستاذا للتعليم العالي بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بأكادير، حيث أسهم لسنوات في تكوين أجيال من الطلبة و الإنخراط في البحث العلمي الرصين.
كما تولى مسؤوليات وازنة داخل المجالس العلمية، إذ ترأس المجلس العلمي المحلي بمدينة تارودانت خلال الفترة الممتدة من 2004 إلى 2023، قبل أن يعين سنة 2023 رئيسا للمجلس العلمي الجهوي لجهة سوس ـ ماسة، ما مكنه من الإشراف على عدد من المبادرات العلمية و التأطيرية ذات الصلة بالشأن الديني.
و على مستوى تكوينه العلمي، تلقى الراضي تعليمه الأولي في المدارس العتيقة بمنطقة سوس، حيث نهل من علوم اللغة و الفقه و حفظ القرآن الكريم برواية ورش على يد والده و عدد من علماء المنطقة. كما حصل على شهادة الباكالوريا في التعليم الأصيل سنة 1970، قبل أن ينال الإجازة في الدراسات العربية و العلوم القانونية سنة 1973، ثم الماجستير في الأدب العربي سنة 1990، وصولا إلى الدكتوراه في التخصص نفسه سنة 2002.
ولد الشيخ اليزيد الراضي في سنة 1950 بدوار إداوزكري إغرم إقليم تارودانت، و بدأ مساره المهني في سلك التعليم الثانوي، حيث عمل أستاذا بثانوية المختار السوسي بطاطا (1973-1974)، ثم بثانوية محمد الخامس للتعليم الأصيل بتارودانت (1974-1985)، قبل أن يلتحق سنة 1987 بكلية الآداب بأكادير، التي ظل يدرس بها إلى غاية سنة 2016.
كما يتميز الراضي بإسهاماته العلمية المتنوعة، إذ أغنى الساحة الفكرية بعدد من المؤلفات و التحقيقات، من بينها تحقيقه لـ”شعر داود الرسموكي”، و “الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة”، و “شرح الجوهر المكنون في الثلاثة فنون”، فضلا عن مشاركته في تأليف “الخلافة الراشدة و الأيدي الخفية”، و إصداره لكتب أخرى من قبيل “زكاة رواتب الموظفين و أصحاب المهن الحرة” و “في رحاب فاتحة الكتاب”، إلى جانب عمل موسع حول “شعر الجشتيميين” في أربعة أجزاء.
و لا تقتصر أعماله على المنشور فقط، بل تمتد إلى مشاريع علمية قيد الطبع، من بينها تحقيق “وفيات الهلالي” و ثلاث رسائل فقهية تتناول قضايا معاصرة، فضلا عن مخطوطات علمية و أدبية، من أبرزها “بناء القصر في أحكام القصر” و “أبو زيد التمنارتي و شعره”، إضافة إلى ديوان شعري ضخم يضم آلاف الأبيات.
كما يشغل الدكتور اليزيد الراضي مهمة رئيس مؤسسة سوس للمدارس العتيقة بتارودانت، حيث يواصل من خلالها الإسهام في دعم التعليم العتيق و صيانة أدواره التربوية و العلمية.
و يعكس هذا المسار الغني تنوع اهتمامات الراضي بين البحث الأكاديمي و التأصيل الشرعي و العمل التأطيري، فضلا عن حضوره في الندوات و المحاضرات العلمية، و إشرافه على عدد من الأنشطة الفكرية، ما يجعله من الكفاءات التي يعول عليها في مواصلة ترسيخ النموذج الديني المغربي القائم على الإعتدال و الإنفتاح.
