حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

عبدالله خباز-

في زوايا الإقتصاد غير المرئي، حيث تبنى الثروة بصمت و تدار عجلة الإنتاج بعيدا عن الأضواء، تقف آلاف النساء في مواجهة يومية مع ظروف عمل قاسية تثقل كاهلهن و تستنزف صحتهن. ليس الأمر مجرد سعي لكسب لقمة العيش، بل هو مسار محفوف بمخاطر صحية متراكمة، تبدأ خفية و تنتهي أحيانا بعواقب لا تحتمل. “العمل يمرض النساء” ليس شعارا مبالغا فيه، بل توصيف لواقع تعيشه فئات واسعة من العاملات في الضيعات الفلاحية، و المصانع، و قطاع العمل غير المهيكل.

في الحقول الزراعية، تشتغل نساء لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، دون وسائل حماية كافية أو فترات راحة منتظمة. التعرض المستمر للمواد الكيميائية و المبيدات، في غياب التوعية أو معدات الوقاية، يفتح الباب أمام أمراض جلدية و تنفسية قد تتطور مع الوقت إلى حالات مزمنة. كما أن حمل الأثقال و الانحناء المتكرر خلال جني المحاصيل يترك أثرا واضحا على الجهاز العضلي و العظمي، خاصة لدى نساء يواصلن العمل رغم التعب، بدافع الحاجة لا الإختيار.

داخل المصانع، خصوصا في قطاعات النسيج و الصناعات الغذائية، تبدو الصورة مختلفة في الشكل لكنها متشابهة في الجوهر. الضوضاء، و تكرار نفس الحركات لساعات طويلة، و العمل في فضاءات مغلقة أو سيئة التهوية، كلها عوامل ترهق الجسد و تضعف التركيز. كثير من العاملات يعانين من آلام مزمنة في الظهر و المفاصل، إضافة إلى مشاكل في الجهاز التنفسي، دون أن يجدن الوقت أو الإمكانيات لطلب العلاج. و في حالات كثيرة، تتحول الإصابة المهنية إلى عبء شخصي تتحمله العاملة وحدها، في غياب حماية قانونية فعالة أو تأمين صحي يغطي تكاليف العلاج.

أما في العمل غير المهيكل، حيث تغيب العقود و تختفي الضمانات، فإن الهشاشة تبلغ ذروتها. عاملات المنازل، و البائعات المتجولات، و العاملات في أنشطة موسمية، يجدن أنفسهن خارج أي منظومة حماية اجتماعية. لا تأمين صحي، و لا تعويض عن المرض، و لا تقاعد يضمن الحد الأدنى من الكرامة في الكبر. في هذا السياق، تتحول أي وعكة صحية إلى أزمة حقيقية، قد تدفع العاملة إلى الإختيار بين العلاج أو الإستمرار في العمل رغم الألم.

و لا تقتصر تداعيات هذه الظروف على الصحة الجسدية، بل تمتد إلى الجانب النفسي. ضغط العمل، و الخوف من فقدان مصدر الدخل، و التعرض أحيانا لسوء المعاملة أو التحرش، كلها عوامل تخلق بيئة نفسية مضطربة. القلق المزمن، و الإرهاق، و فقدان الإحساس بالأمان، تصبح جزءا من الحياة اليومية، في صمت غالبا ما لا يجد من ينصت إليه. و مع غياب آليات الدعم النفسي، تتراكم هذه الضغوط لتؤثر على جودة الحياة و العلاقات الإجتماعية و حتى على تربية الأطفال داخل الأسرة.

اللافت أن هذه المعاناة، رغم اتساعها، تظل في كثير من الأحيان غير مرئية. فالأرقام الرسمية لا تعكس دائما حجم المشكلة، و التقارير المتوفرة تظل محدودة مقارنة بواقع معيش معقد. و بينما تتحدث السياسات العمومية عن الإدماج و الحماية الإجتماعية، يطرح الواقع أسئلة ملحة حول مدى وصول هذه المبادرات إلى الفئات الأكثر هشاشة، خاصة في المناطق القروية و النائية.

في المقابل، تبرز بعض المبادرات التي تسعى إلى تحسين ظروف العمل، سواء عبر حملات التوعية، أو برامج التغطية الصحية، أو دعم التعاونيات النسائية. غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تظل غير كافية ما لم تصاحب بإرادة حقيقية لتفعيل القوانين، و تعزيز المراقبة، و ضمان احترام حقوق العاملات في مختلف القطاعات. كما يظل دور الإعلام محوريا في كشف هذه الأوضاع، و نقل أصوات النساء من الهامش إلى صلب النقاش العمومي.

إن صحة النساء العاملات ليست قضية فئوية ضيقة، بل هي ركيزة أساسية لأي تنمية عادلة و مستدامة. فحين تستنزف طاقات النساء في ظروف غير إنسانية، لا يتضرر الفرد فقط، بل يتأثر المجتمع بأكمله. و بين واقع يفرض تحدياته، و أمل في تغيير ممكن، يبقى السؤال مفتوحا: متى يتحول العمل من مصدر للعيش إلى فضاء يحفظ الكرامة و يصون الصحة؟