حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

بوشعيب هارة –

​ماذا يحدث حين يتحول “الحرم المدرسي” من حضن آمن إلى بوابة تقذف بالمراهقين نحو الشارع؟ سؤال لم يعد ترفاً فكرياً، بل صرخة في وجه واقع مرير يشهده محيط ثانوياتنا. فبين صرامة القوانين الداخلية وهشاشة المواكبة التربوية، يجد تلميذ اليوم نفسه عالقاً في “المنطقة الرمادية”: ممنوع من دخول القسم بسبب تأخر أو غياب، ومتروك للشارع ينهش أمنه النفسي والجسدي.

​نحن لا ننكر، بل ونثمن عالياً، المجهودات الجبارة التي يبذلها الحراس العامون وحراس الأبواب في ضبط التوازنات داخل المؤسسة، لكن هل المسؤولية التربوية تنتهي عند عتبة الباب؟

​إن إخراج تلميذ من أسوار المؤسسة بدعوى “التأخر” أو “الغياب المتكرر” دون بديل تأطيري، هو في الواقع “عملية نفي قسري” نحو فضاء غير آمن. الشارع ليس فضاءً تربوياً، بل هو مسرح للمتربصين، ومنبع للانحراف، وبيئة خصبة للاستقطاب السلبي. إننا وبدلاً من تقويم الاعوجاج، نقدم تلامذتنا لقمة سائغة للمجهول.

​الدستور المغربي في فصله 31 كان حاسماً، حيث جاء فيه أن الدولة والمؤسسات مطالبة بتعبئة كل الوسائل لتيسير الاستفادة من “الحق في التعليم”. وهنا يجب أن نتساءل بصوت عالٍ:

هل يتحقق الحق في التعليم حين يُحرم التلميذ من الحماية لمجرد خلل في الانضباط؟ أين هي “المواكبة الفعلية” التي تسبق قرار الطرد أو المنع؟

الحق في التعليم رزمة متكاملة تشمل الأمان، الرعاية النفسية، والاحتواء. والمؤسسة التي تكتفي بالدور “الزجري” هي مؤسسة تتنازل طواعية عن دورها “التربوي” لتتحول إلى مجرد “إدارة للحضور والغياب”.

المقاربة الزجرية وحدها هي اعتراف ضمني بالفشل في التدبير. لإن علاج معضلة الغياب المتكرر لا يبدأ بإغلاق الباب، بل بـ:

تفعيل خلايا اليقظة: التي يجب أن تشتغل كـ “رادار” لرصد الحالات الاجتماعية والنفسية قبل وصولها لمرحلة الانفجار.

الوساطة التربوية: عبر الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، لفهم “لماذا يتغيب هذا المراهق؟” بدلاً من “كيف نخرجه من المؤسسة؟”.

​التواصل التفاعلي: استدعاء الأسرة لا يجب أن يكون “محاكمة”، بل شراكة لإنقاذ مسار دراسي مهدد.

خارج الأسوار، لا تنتهي المسؤولية، بل تتضاعف. إن أمن محيط المؤسسات التعليمية مسؤولية مشتركة بين الإدارة، الأمن الوطني، الدرك الملكي، والجماعات الترابية. لكن القاطرة تبدأ من الداخل؛ فالمؤسسة التي “تحمي” أبناءها بالداخل هي التي تفرض هيبتها بالخارج.

إن المدرسة المغربية اليوم أمام امتحان حقيقي: هل هي فضاء لصناعة المستقبل، أم هي مجرد محطة “تفلتر” التلاميذ لتلقي بمن لم يستجب لمعاييرها الصارمة إلى أرصفة الضياع؟ الحماية ليست تفضلاً، بل هي جوهر العملية التربوية، وحين يسقط تلميذ في فخ الشارع بسبب ثغرة في نظامنا المؤسساتي، فالكل مسؤول.. والكل مدان.

و يبقى السؤال مطروح هل منع التلاميذ من الدخول بسبب التأخر أو الغياب حل تربوي أم تعميق للأزمة؟