-محمد خطيب-
رغم تداول بعض المنابر الإعلامية خبر المصادقة على إحداث شركة تنموية بإقليم خريبكة باعتباره “قراراً محلياً” نابعاً من اختيارات المجالس المنتخبة، إلا أن الوقائع تكشف أن الخطوة تأتي تنفيذاً مباشراً لتوجيهات وزارة الداخلية، وانسجاماً مع مضامين الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش.
ففي 15 غشت 2025، عمّم وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت مذكرة على الولاة والعمال دعاهم فيها إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، مرتكزة على أربعة محاور:
1. دعم التشغيل المحلي.
2. تعزيز الخدمات الاجتماعية الأساسية.
3. التدبير المستدام للموارد المائية.
4. التأهيل الترابي المندمج.
مع التأكيد على اعتماد المقاربة التشاركية، وضمان انسجام هذه البرامج مع النموذج التنموي الجديد وأهداف التنمية المستدامة.
شهد إقليم خريبكة هذا الأسبوع تحركاً بارزاً بعد اجتماعي المجلس الإقليمي يوم الأربعاء، والمجلس الجماعي يوم الخميس 18 شتنبر 2025، حيث تمت المصادقة على إحداث شركة “خريبكة للتهيئة والتنمية” (KADev).
تهدف الشركة إلى تسريع تنزيل المشاريع المهيكلة، وتعزيز التنمية الشاملة، عبر إطار مؤسساتي يقوم على:
• مجلس إدارة يرأسه عامل الإقليم.
• إشراك المجلس الإقليمي والجماعات الترابية.
• انخراط المصالح اللاممركزة والقطاع الخاص.
هذه البنية الجديدة تعكس الإرادة في تجاوز منطق القرارات المعزولة، نحو رؤية وطنية متكاملة للتنمية المستدامة، ترتبط مباشرة بالتوجيهات الملكية العليا.
اليوم، لم يعد مجلس خريبكة تحت متابعة وزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات فقط، بل أيضاً تحت أعين الرأي العام المحلي، الذي أصبح يراقب خطواته عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مطالباً بنتائج ملموسة في التشغيل، البنية التحتية، والخدمات الاجتماعية.
هذا الوضع يحوّل المجلس إلى اختبار حقيقي لمدى الالتزام بتحويل الموارد العمومية إلى مشاريع تخدم المواطن وتترجم الرؤية الملكية القائمة على العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.
رغم أن المجلس الجماعي يُفترض أن يكون الفضاء الأول لترجمة تطلعات الساكنة، إلا أن تراكم المشاريع المتعثرة وغياب الرؤية الاستراتيجية أعادا طرح سؤال الجدوى.
العبارة التي أطلقها المستشار عمر امرضي خلال دورة 18 شتنبر 2025 حين وصف الرئيس بـ “ضابط الإيقاع” لم تكن مجرد مجاز لغوي؛ بل مرآة لواقع التدبير المحلي: فكما يتحمل قائد الأوركسترا مسؤولية تناغم الأصوات، يتحمل المجلس مسؤولية ضبط إيقاع التنمية.
غير أن ما ظهر من انسجام خلال “الأيام الثقافية” مع فرق الموسيقى الشعبية، لم ينعكس بعد على إيقاع التنمية الفعلية، التي تتطلب وضوح أولويات في البنية التحتية، التعليم، التشغيل، وحسن تدبير الشأن المحلي.
مداخلات المستشارين، وردود الرئيس، والموجة الشعبية عبر المنصات الرقمية، كلها تؤكد أن المجلس لم ينجح بعد في تلبية انتظارات الساكنة. فما تزال الخطابات الرسمية أسيرة تبرير التعثرات بدلاً من تقديم حلول الجدرية.
إحداث شركة KADev يمثل خطوة مؤسساتية نوعية، لكنه لن يكون كافياً ما لم يواكبه أداء جماعي منسجم، ورؤية واضحة قادرة على تحويل الخطابات إلى مشاريع ملموسة. فخريبكة اليوم أمام امتحان صعب: إما أن تضبط إيقاع التنمية كما ينتظر المواطن، أو تظل حبيسة ارتجال يبدّد الفرص ويعمّق الفجوة بين الخطاب والواقع
