حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

بقلم : الأستاذ المصطفى الهيبة

تحوّلت كرة القدم، خلال العقود الأخيرة، من رياضة شعبية بسيطة إلى ظاهرة اجتماعية كونية شديدة التعقيد، تتداخل فيها أبعاد اقتصادية، سياسية، ثقافية وإيديولوجية.

هذا التحول جعل منها موضوعًا مركزيًا للتحليل في دراسات الثقافة والنقد الاجتماعي، وفتح الباب أمام مقاربات ترى في هذه الرياضة الجماهيرية تجليًا لما يسميه غي ديبور بـ”مجتمع الفرجة”، حيث تُختزل العلاقات الاجتماعية في صور تُستهلك جماهيريًا وتُوظف أحيانًا لأغراض الهيمنة والتوجيه الإيديولوجي.

في هذا السياق، تندرج فكرة “فرجة الاستيلاب” بوصفها آلية تُستخدم عبر كرة القدم لإعادة إنتاج أنماط من الانتماء والتماهي، تصرف الجماهير عن واقعها اليومي وتحجب عنها إمكانيات الفعل الواعي.

هذا المقال يتناول هذه الفكرة بالتحليل من خلال أدوات مستمدة من الفكر الماركسي، السوسيولوجي، والأنثروبولوجي.

*أولًا: من الاستيلاب المادي إلى الاستيلاب الرمزي:

الاستيلاب، كمفهوم فلسفي واجتماعي، تعود جذوره إلى الفكر الهيغلي، ويتبلور في كتابات كارل ماركس ليدلّ على اغتراب الإنسان عن ذاته وعن نتاج عمله ضمن المنظومة الرأسمالية.

أما في القرن العشرين، فقد أعاد غي ديبور وهربرت ماركوزه وبيير بورديو صياغة هذا المفهوم ليتناسب مع المجتمعات الحديثة، حيث لم يعد الاستيلاب ناتجًا فقط عن شروط الإنتاج، بل عن الاستهلاك الثقافي نفسه.

غي ديبور، في كتابه “مجتمع الفرجة”، يرى أن الإنسان المعاصر يعيش في عالم تُهيمن فيه الصور والعروض، وتُختزل الحياة الواقعية في مشاهد تُستهلك جماهيريًا، ما يؤدي إلى تغريب الوعي.

كرة القدم، باعتبارها أكثر أشكال الفرجة الجماهيرية انتشارًا، تندرج في هذا الإطار، حيث تُصبح الأندية والنجوم والبطولات أدوات لإنتاج “استيهامات جماعية” تُخفي تناقضات الواقع وتُعمّق الاستلاب.

*ثانيًا: كرة القدم وصناعة التماهي الوهمي:

في المجتمعات الحديثة، لم تعد كرة القدم مجرد رياضة، بل صارت صناعة قائمة على الترفيه والإعلام والتسويق والرأسمال الرمزي.

تُباع قمصان الفرق، تُشترى حقوق البث بمليارات الدولارات، ويُسوّق اللاعبون كعلامات تجارية عالمية.

تُنتج هذه المنظومة شعورًا زائفًا

بالانتماء لدى الجمهور، إذ يتماهى المشجع مع نادٍ لا يملك منه سوى الشعار.

هذا التماهي يُخفي العلاقة الفعلية التي تربط الجمهور بمنظومة تهيمن عليها الشركات متعددة الجنسيات والمصالح التجارية.

يُصبح المشجع مشاركًا عاطفيًا في لعبة لا يملك أدوات التحكم فيها، بل يدفع ثمن “المشاركة” عبر الاشتراكات والمنتجات والدعاية.

*ثالثًا: الهيمنة الرمزية وتفريغ الوعي

تُمارس كرة القدم، كفرجة جماهيرية، وظيفة مزدوجة: من جهة، تُقدَّم كوسيلة للتفريغ النفسي والترفيه، ومن جهة أخرى تُستثمر كأداة للهيمنة الرمزية، حيث يُعاد تشكيل الوعي الجمعي وفقًا لمصالح سياسية أو اقتصادية معينة.

تشير تحليلات أنطونيو غرامشي

حول الهيمنة الثقافية إلى أن المؤسسات “الحيادية ظاهريًا” مثل الإعلام أو الرياضة تُمثّل أدوات لإعادة إنتاج السلطة داخل المجتمع. وفقًا لهذا الطرح، تُستثمر كرة القدم

أحيانًا في تمرير الخطاب الرسمي، تهدئة الغضب الشعبي، وتوجيه الجماهير نحو انفعالات لحظية تمنع التبلور الواعي للمطالب الحقيقية.

وقد استخدمت أنظمة سياسية كثيرة مباريات أو بطولات كبرى لصرف الانتباه عن أزمات داخلية، أو لكسب شرعية رمزية عبر “النجاح الرياضي”، كما حدث في عدة دول عربية خلال فترات من الاضطراب.

*رابعًا: بين الاستلاب والتحرر

ورغم الطابع النقدي الذي يسود هذا الطرح، لا بد من التمييز بين استخدام كرة القدم كأداة استيلاب، وبين قيمتها الأصيلة كوسيلة تعبير اجتماعي وثقافي.

في كثير من الأحيان، شكّلت كرة القدم وسيلة لإعادة بناء الهوية، وللتعبير عن المقاومة كما في فلسطين أو جنوب إفريقيا خلال نظام الأبارتايد، أو في أحياء المغرب المهمّشة.

وبالتالي، فليست كرة القدم استيلابًا بطبيعتها، بل تتحوّل إلى ذلك حينما تُفرَغ من بعدها الشعبي والتفاعلي، وتُدمج كليًا في منطق السوق والسلطة.

خلاصة تُمثّل كرة القدم مرآة للمجتمع المعاصر بكل تناقضاته:

هي مساحة للفرح، والتفريغ، والانتماء، لكنها أيضًا أداة لصناعة الوهم الجماهيري، واستنساخ الاغتراب ضمن فرجة استهلاكية كبرى.

إن مقاربة كرة القدم كفرجة استيلاب لا تعني رفضها، بل تعني مساءلتها، ومحاولة استعادة بعدها الإنساني الحقيقي بعيدًا عن منطق الاستغلال والاستهلاك.

 

المراجع:

1*الطاهر بنجلون، الهوية والتعصب الكروي، دار النشر المغربية، 2006.

2*عز الدين الخطابي، الرياضة والمجتمع: مدخل سوسيولوجي، منشورات كلية الآداب، الرباط، 2011.

3*محمد الناجي، السياسة في ملعب الكرة، مجلة أفكار، العدد 89، الرباط، 2014.

4*حسن عجمي، فلسفة الرياضة: من أفلاطون إلى الفيفا، دار التنوير، بيروت، 2015.

5*علي أسعد وطفة، ثقافة الجماهير والإعلام الرياضي: قراءة في سوسيولوجيا كرة القدم، دار الفكر، دمشق، 2009.

6*عبد الوهاب المسيري، الفردوس الأرضي: دراسات في الفكر الصهيوني والعلمانية، دار الشروق، القاهرة، 2001.

7*Guy Debord, La Société du spectacle, Gallimard, 1967.

8*Pierre Bourdieu, Questions de sociologie, Éditions de Minuit, 1984.

9*Jean Baudrillard, La société de consommation, Denoël, 1970

10*Antonio Gramsci, Cahiers de prison, Einaudi, 1975.

11*Christian Bromberger, Le match de football: Ethnologie d’une passion partisane à Marseille, Naples et Turin, Éditions de la MSH, 1995.

12*Didier Demazière et Patrick Mignon, La passion du football, Odile Jacob, 2006.

13*Norbert Elias et Eric Dunning, Sport et civilisation: la violence maîtrisée, Fayard, 1994.