أبو رضى –
في خطوة لافتة تعكس تحوّلات جيوسياسية غير مسبوقة داخل جنوب إفريقيا، استقبل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، يوم الثلاثاء بالرباط، الرئيس الجنوب إفريقي الأسبق جاكوب زوما، الذي يرأس حاليًا حزب “رمح الأمة”، التشكيل السياسي الجديد الذي وُلد من رحم التمرد على حزب المؤتمر الوطني الإفريقي.
زيارة زوما إلى العاصمة المغربية تأتي في توقيت حساس، وتفتح الباب أمام إعادة قراءة الموقف الجنوب إفريقي من النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، خصوصًا بعد أن عبّر حزبه مؤخرًا، في وثيقة سياسية رسمية، عن دعم صريح لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل واقعي للنزاع المفتعل.
زوما، الذي قاد جنوب إفريقيا بين عامي 2009 و2018، وأمضى سنوات طويلة في واجهة النضال ضد نظام الفصل العنصري، يبدو اليوم عازمًا على إعادة صياغة سياسات بلاده الخارجية من موقع جديد. فبعد خروجه من عباءة المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC)، الحزب التاريخي الذي قاد جنوب إفريقيا منذ سقوط نظام الأبارتايد، اختار زوما القطيعة السياسية مع الخطاب التقليدي لقيادة بريتوريا، لاسيما في ملف الصحراء المغربية، حيث طالما اتُّهمت جنوب إفريقيا بالانحياز المعلن لجبهة البوليساريو، وبتنسيق مباشر مع الجزائر.
زيارة زوما للمغرب ليست مجرّد محطة بروتوكولية، بل تحمل رسائل قوية على أكثر من مستوى. فهي تعني، ضمنيًا، أن الدينامية التي أطلقها المغرب دبلوماسيًا بدأت تؤتي أكلها حتى داخل الدول التي كانت محسوبة لعقود ضمن “المعسكر المناهض” لمغربية الصحراء.
كما أن انفتاح شخصيات سياسية من الوزن الثقيل في القارة، مثل جاكوب زوما، على الطرح المغربي، يعكس مدى التغير في موازين الفهم الإقليمي، وانهيار عدد من الأساطير التي نسجها خصوم الوحدة الترابية للمملكة.
لا يمكن فصل هذا التطور عن الأزمة العميقة التي تعصف بحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، حيث تعمّقت الهوة بين زوما وخلفه في الرئاسة، سيريل رامافوزا، على خلفية قضايا داخلية وخيارات دبلوماسية مثيرة للجدل. وقد تكون مواقف “رمح الأمة” الجديدة محاولة لإعادة تشكيل خطاب دبلوماسي جنوب إفريقي أكثر براغماتية وانفتاحًا على التحولات التي تشهدها القارة الإفريقية.
يأتي هذا التقارب المغربي الجنوب إفريقي الجديد في سياق تتوسع فيه رقعة الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، خصوصًا على الصعيد الإفريقي، حيث باتت العديد من الدول تفتح قنصلياتها بالأقاليم الجنوبية، وتدعم بشكل علني المبادرة المغربية كحل وحيد واقعي للنزاع.
زيارة زوما، بهذا المعنى، ليست مجرد تحول في موقف حزب، بل قد تكون بداية لمراجعة شاملة في موقف أحد أكثر البلدان تأثيرًا في السياسات الإفريقية، وهو ما من شأنه أن يُعيد ترتيب الأوراق الدبلوماسية داخل الاتحاد الإفريقي نفسه.
